شواطىء الأفكار...

لا يوجد ردود
User offline. Last seen 2 سنة 11 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 28/02/2011

يحيا السواد الأعظم من البشرية حياته بأكملها مسجوناً محدوداً داخل مساحات أفكاره. لم تذق البشرية يوماً حلقَت فيه أبعد من حدود وقيود وسدود أفكارها.. أبعد من عقولها المصنعة المعدة لها سلفاً.. وأبعد من إحساسها الشخصي (لا الكوني) بذاتها التي لا تعرف سوى مدارس الماضي مكاناً تستقي منه نظرتها الضيقة إلى الحياة.
 
بداخلك.. كما كل إنسان.. يوجد بعداً من الوعي أعمق من الأفكار بكثير. إنه جوهر من تكون. قد نسميه حضوراً.. وعياً أو الوعي الكوني السرمدي الذي لا بداية له ولا نهاية. أطلقَت عليه التعاليم الروحية القديمة إسم المسيح الحي داخلنا.. أو طبيعة بوذا داخل كل واحد منا...
 
إن عثورك على هذا البعد يحررك ويحرر العالم من معاناة تفرضها على نفسك وعلى غيرك حين تحد معرفتك بعقلك المعد لك سلفاً (الأنا الصغرى).. وتسمح له بإدارة حياتك... لا يمكن للمحبة.. للفرح.. لتمدد الإبداع والسلام الداخلي الأبدي أن تولَد فيك وتدخل حياتك إلا من خلال ذلك البعد من الوعي الكوني والذي لا يعرف حدود ولا قيود ولا شروط ولا واجبات ولا توقعات ولا إفتراضات.
 
فإن كان بإمكانك ولو لفترات قصيرة.. أن تلاحظ أن الأفكار التي تمر على شاشة عقلك هي مجرد أفكار.. وإن كان بإمكانك مراقبة طرق ردات فعلك الذهنية العاطفية حينما تحدث.. عندها تأكد من أن شمس ذلك البعد بدأت تشرق داخلك كوعيٍ يعي مرور الأفكار والعواطف وحدوثها... تأكد من أن المساحة الداخلية الأبدية والتي تجسد أحداث حياتك ذاتها على مسرحها.. بدأت بالتمدد والإنتشار.
 
إن تيار التفكير لهو زخم هائل بإمكانه أن يجرك معه بسهولة ممسكاً يدك مدخلاً إياك أودية وغابات مظلمة داكنة.. سارِحاً بك في دروب لم تكن تنوي التجول داخلها لأنك لا تعرف شيء عنها. كل فكرة تدعي أنها مهمة كثيراً وأنها تعني لك الكثير وتؤثر فيك بشدة.. لأنها تريد لفت انتباهك لها.
والآن هذا تمرين روحي جديد لك: لا تأخذ أفكارك على محمل الجد.
 
كم هو سهل على البشر أن تقع أسيرة في فخ سجونها الذهنية.
إن العقل البشري يضل على درب رغبته في أن يعرف.. ويفهم.. ويتحكم.. فيخلط أوراقه وآرائه ومواقفه في رؤيته للحقيقة. عليك أن تكون أكبر من الفكر بكثير حتى تعي بأن كل ما عرفته على أنه حياتك أو حياة غيرك أو تصرفاته، أن كل ما حكمت عليه.. ليس سوى مجرد رأي ووجهة نظر.. ليس سوى واحد من ضمن عدة احتمالات. ليس سوى سيل من الأفكار. لكن الحقيقة كل واحد موحد.. حيث تتداخل فيها الأحداث وتتشابك وتشترك.. حيث لا شيء موجود بمفرده أو وحده. التفكير يجزء الحقيقة ويقطعها إلى أجزاء ذهنية مفاهيمية.
 
إن العقل المفكر هو أداة قوية نافعة ولكنها تضع لك حداً إن جعلتها تسيطر على حياتك تماماً.. إن لم تدرك بأنها وجه صغير بسيط من وجوه الوعي الذي تكونه أنت.
 
ليست الحكمة وليدة الفكر. إن العرفان العميق والذي يعني الحكمة.. ينبع من فعلٍ بسيط هو توجيهك انتباهك الكامل لأحد أو لشيء ما. الإنتباه هو الذكاء.. هو الوعي نفسه. الإنتباه يذيب العوائق التي يصنعها الفكر المفهومي.. ومع ذوبانها يأتي التجلي الذي يبوح بأن لاشيء موجود بذاته ولنفسه كجزيرة منعزلة. الإنتباه يوحد المتلقي وما يتلقاه فيجمعهما في حديقة الوعي حيث التوحد واللقاء. الإنتباه هو شافي الفصل والفراق.
 
متى ما انغمست في تفكير قهري.. فأنت تتحاشى ما هو موجود كما قدر له أن يوجد. أنت لا تريد أن تكون في المكان الذي قدر لك أن تكون. هنا والآن.
 
جميع العقائد: دينية أم سياسية أم علمية.. تنبع من المفهوم الخاطىء الذي يظن الفكر قادراً أن يقبض كلتا يديه فيحتجز الحقيقة داخلهما. جميع العقائد هي سجون مفاهيمية جماعية. والغريب أن الناس تعشق هذه السجون لأنها تمنحهم إحساساً بالأمان.. وإحساساً مزيفاً بأنني (أعرف).
 
لم يؤذي البشرية شيئاً كما آذَتها عقائدها. صحيح أن كل عقيدة مصيرها الإنهيار عاجلاً أم آجلاً.. فالحقيقة الكونية سوف تبطل زيفها وادعائها... لكن إن لم يتمكن البشر من الولوج إلى عمق مركزها حتى يروا وهمها.. فسوف يتم استبدالها بواحدة غيرها.
وما هو وهمها الأساسي.. اتخاذ الفكر هوية شخصية تعرف عن صاحبها وأمتها وجماعتها.
 
إن الصحوة الروحية هي صحوة من حلم الفكر.
 
إن عالم الوعي لهو واسع شاسع لدرجة لا يمكن للفكر حتى أن يحلم بها وهو في أكثر أحلامه جنوناً. وحينما لا تركن ولا تصدق أي شيءٍ يحاول فكرك إقناعك به.. فسوف تخطو خارج الأفكار وترى بوضوح أن المفكر ليس أنت.
 
يعيش العقل دائماً في حال (هذا لا يكفي).. لذا فهو دائماً يطمع بالمزيد. وحين تحدد نفسك بالعقل فتجعله هويتك.. سوف تصاب بسهولة.. بالملل وإحساس بعدم الراحة والتوتر. الملل يعني أن العقل جائع يطلب مزيداً من المحفزات.. مزيداً من الطعام لأجل الفكر.. وأن جوعه لم ينتهي بعد.
 
وحين تشعر بالملل.. فبإمكانك إشباع جوع العقل بقراءة مجلة.. إجراء مكالمة هاتفية.. مشاهدة التلفاز.. تصفح الإنترنت.. الحديث على التشات.. أن تحني رأسك فوق موبايلك تلعب وتجري أحاديثاً إلى أن ينكسر عنقك.. أن تذهب للتسوق في المولات أو أن تنقل إحساسك الذهني بعدم الإكتفاء وحاجتك للمزيد.. إلى جسدك فتبدأ بحشوه بشتى أنواع الطعام.
 
أو بإمكانك أن تظل ضجراناً تعباناً وتراقب حالتك وإحساسك وأنت في حال الملل والتعب. وحالما تركِّز وعيك على إحساسك هذا فسوف تجد فجأة قليلاً من المساحة والهدوء حولك. قليلاً في البداية.. لكن مجرد أن يبدأ إحساسك بالمساحة الداخلية بالنمو فإن إحساسك بالملل سوف يتلاشى شيئاً فشيئاً. حتى الملل بإمكانه أن يعطيك درساً في من تكون ومن لا تكون.
 
ستكتشف بأن الشخص (الضجران) ليس أنت. الملل ببساطة هو حركة طاقة مقولبة تتحرك داخلك. ولست بشخصٍ حزين غاضب أو خائف أيضاً. إن الملل والغضب والحزن والخوف.. جميعها ليست لك. إنها حالات يحياها العقل البشري. حالات تأتي وترحل.
 
لاشيء مما يأتي ويرحل هو أنت.
"أنا ضجران"... من الذي عرف ذلك..
"أنا غاضب.. حزين.. خائف"... من الذي عرف ذلك..
أنت العارف ولست الحال الذي تم التعرف عليه.
 
إن التحيز والإنحياز لمفهوم أو معتقد أو انتماء.. يعني أنك سجين وأسير لدى العقل المفكر. يعني أنه هويتك. يعني أنك لم تعد ترى الإنسان الذي أمامك بتاتاً... ليس بعد الآن. أنت لم تعد ترى سوى مفهومك عن هذا الإنسان. إن تحويل نهر الحياة الذي يسري ويجري داخل كائن بشري حي أمامك إلى صحراء قاحلة جافة.. إلى مفهوم.. هو عمل عنيف جداً.