طرائف "عامودا" عوالم دلالية لمدينة تذوب بالضحك

لا يوجد ردود
User offline. Last seen 9 سنة 38 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 31/03/2006

إن ما يصنع جمال "عامودا" هو طرائف أهلها وكرمهم اللامتناهي، فتفتح مخيّلة زائريها ونفوسهم لجرعات من الضحك، الممزوجة بالعبرة والحكمة تارةً، وبالألم تارةً أخرى، فهي تجسِّد في شخصياتها الطريفة هويّة المدينة التي تسلِّم نفسها بسهولة لزائريها، دون إدّعاء أو خديعة، ولكن في ذات الوقت يصعب رصد الإمكانيات الكامنة في نفوس أبناءها،

وطبائعهم المختلفة، فهنا تختفي قوانين الأزمنة، وخاصةً قوانين السير، حيث يُدّعى إن أهلها لا يسيرون إلا في منتصف الطريق، ولابدّ عند زيارتها التلذذ بمتعة الطرائف التي يتداولها العقلاء فيها على لّسّان "مجانينها".

موقع eHasakeh زار المدينة والتقى بدايةً السيِّد "أحمد شيخ محمد" من أهالي المدينة الذي سرد لنا بعض قصص أهاليها الطريفة قائلاً: «مرَّ "إسماعيل" المجنون بثلَّة من الشباب يتعاطون "الخمر"، وما إن شاهدوه حتى قاموا بدعوته إلى مائدتهم، ولكنه رفض وقال لهم: "إنكم تشربون الخمر لتتشبهوا بي، أما أنا إذا شربت فبمن سأتشبه؟"، وفي طرفة أخرى، يقال إنَّ أهالي "عامودا" اجتمعوا لبناء مشفى "مجانين" خاص لمجانينها، فما إن اتفقوا على ذلك حتى مرَّ بهم أحدهم، فاقترح على مسامعهم بناء سورٍ حول المدينة فتكون المدينة كلها المشفى الذي يسعى الأهالي لبنائه، وفي ثالثة وكما تنقل الرواية وفي أوَّل تواجد لجهاز التلفزيون في "عامودا" في ستينيات القرن الماضي، أنّ "خلفو" المجنون كان يتشبَّه بشخصية "طرزان" المعروفة، الذي كان يعرض حينها على الشاشة الصغيرة، فيقفز من فوق أسطح المنازل، حتى لم يسلم جزءاً من جسمه من الكسر، وما كان لـ "عليكي" المجبر إلا أن يهدِّد أمه بأنه لن يجبِّر كسور ابنها المشاكس بعد اليوم».

الأستاذ "علي دريعي" تحدث عن أسباب تسمية "عامودا" بلد "المجانين" حيث قال: «اختلفت الآراء حول مصدر وأسباب هذه التسمية، ولكن ما أجمع عليه البعض اعتماداً على أحاديث المعمِّرين أن "عامودا" في الأزل كانت تكتظ بالناس البسطاء و"المختلة" عقلياً، بالمقارنة مع المناطق المحيطة بها، وهذه النسبة ربما لم تكن تتوافق مع كونها بلدة صغيرة، وفي مرحلة أخرى مضت كان شعراؤها ومثقفوها الكثر آنذاك يقلِّدون الشعراء والفنانين العالميين، على الصعيد الشكلي والحركي وحتى النفسي، وذلك بإطالة شعرهم وتبنّي بعض الأفكار الغريبة، والتفوِّه ببعض المصطلحات والتعابير غير المألوفة

"هوار" أعقل مجانين "عامودا"
آنذاك، لذلك كان الناس يقولون عنهم أيضاً "مجانين" باعتبارهم خرجوا عن أعراف المجتمع، فتعمم اللقب حينها وتم تداوله بشكل واسع من قبل الأهالي، لدرجة أن الجميع في "عامودا" في نظر أبناء المدن الأخرى "مجنوناً"».

أما عن مقولة إنهم لا يسيرون إلا في منتصف الطريق فتابع "دريعي" حديثه لنا بالقول: «يقال إنهم متكبِّرون وهذه مقولة زائفة، وعمرها يتجاوز 50 عاما عندما كانت المدينة صغيرة، ولم تتواجد فيها السيارات والعربات، لذلك كان الناس في المساء يخرجون إلى الشارع العام يمشون فيه إلى وقت متأخِّر من الليل، بينما كان أهالي المدن الأخرى القريبة ينامون حينها في سبات عميق، ولكن هذه العادة أصبحت حقيقة مفروضة الآن بعدما بدأ التجار باستغلال الأرصفة، ومن الطبيعي أن يسير الناس في منتصف الطريق حينها، وتقول إحدى الطرائف: إن سيارة زَّمرت لشخصٍ "عامودي" كان يسير في منتصف الطريق، فنظر إلى صاحبها نظرة استغراب وكأنَّ الشارع له وعلى السيارة أن تسير على الرصيف».

تنتقل عدوى الجنون في "عامودا" من جيلٍ إلى آخر، فحتى يختفي جيل "مجنون" يجب أن يكون الجيل اللاحق مستعداً لشغل مكانه، وهنا التقينا المجنون "هوار" المعروف بكلامه المعسول، والمشغول دائماً برتبه العسكرية، ولم نفهم منه شيئاً سوى أنه يريد أن يصبح ضابطاً كبيراً، ويحلم بزيارة "دمشق"، فحتى "هوار" سحرته أحاديث الناس عن العاصمة ومائها وهوائها.

الكاتب "داريوس داري" استحضر لنا من الماضي والحاضر بعض أسماء الشخصيات التي توصف بأنها "مجنونة" قائلاً: « هناك أسماء كثيرة لا يمكن تعدادها، ولكن الذين أخذوا مجدهم في اللقب هم: "منجولي، عزو، رمو، حيدر، اسماعيل، دكو، خلف

الكاتب "داريوس داري"
أوسي، شربلو، آزاد مجدو، هوار"، أما الآن فيتزعمهم الزعيم "أبو بابل"، طبعاً معظم هؤلاء لم يكونوا مجانين في الأساس، إنما أصبحوا مجانين لعدد من المسبِّبات كالدراسة الزائدة كما حدث لـ "آزاد مجدو" الذي كان رَّساما عظيماً، حيث كان يرسم صورة أي شخص يمرُّ به خلال دقائق معدودة، و لو وجد من يهتَّم به لكان الآن من عباقرة الرسم على المستوى العالمي، كما أنَّ "الحُبّ" عندنا هو سبب جميع الأمراض بما فيها "الجنون" وحتى الزكام والتهاب الأسنان، ويقال ما وصل إليه حال "إسماعيل" كان حالة نفسية مر بها عندما كان عمره لا يتجاوز الخمسة عشر عاماً، ومن هؤلاء أيضاً من فقد عقله نتيجة الضرب كـ"أبو بابل" مثلاً، الأوَّل على مستوى مدرسته في الدراسة، حيث تعرَّض للضرب الشديد على أيدي معلميه، وفي النهاية يبقى أنا "المجنون" الأوَّل طالما أُحاوِر نفسي هذه الأيام».

"محمد حسو" عدَّد لنا أهم الصفات التي يتميز بها مجانين "عامودا" بالقول: « مجانين بلدتنا هم ملوك الحكمة عندنا، إلى جانب كونهم مصدر الطرائف، كثيراً ما تُنسَب إليهم الأقوال المأثورة، وغالباً ما يصعب فكّ ألغازهم، فتارةً تجدهم بكامل قواهم العقلية، ويُدهشك طلاقتهم في الحديث عن الأحداث التي كانت تجري، وتارةً أخرى تجدهم يستغرقون في أحاديث لا تعبِّر إلا عن ذاتهم، وهم محبوبون جداً ولا يؤذون أحداً، أصبحوا رموزاً لمدينتنا وسبباً لتميُّزنا، وفي "عامودا" لا أحد يلقِّب الآخر بـ "المجنون" ولكن عند الذهاب إلى المدن الأخرى تطفو هذه الألقاب على السطح من جديد، حتى أصبحت تهمة الجنون تُلَصق بنا ونحن على المدرَّجات الجامعية نتلقى المحاضرات العلمية، أو في المخابر الطبية، وفي إحدى الطرائف تقول الرواية على لسان البطل، إنَّ "عامودياً" عمل في الغربة وجمع مبلغاً كبيراً من المال، وأوَّل ما فكر به أثناء عودته هو خدمة أبناء بلدته، وذلك ببناء مشفى "مجانين" متطوِّر لاستيعاب سكانها».

يذكر أن "عامودا" هي أقدم مدن محافظة "الحسكة"، تبعد عن مركزها شمالاً مسافة /75/ كم، وأكبر ناحية في "سورية"، يبلغ عدد سكانها حوالي 47000 نسمة، تعرضت للقصف الفرنسي أيام الاحتلال، كما توفي فيها أكثر من 200 طالب من طلابها في حريق سينما "شهرزاد" في عام 1961.