تَجَلِّي قَوْسِ الطَّيْفِ الرَّبيعيّ في تَحَلِّي الخَريفِ

4 ردود [اخر رد]
مشترك منذ تاريخ: 30/11/2009

القوس يذكّر ويؤنّث، فإن شئت أن تجعل (الربيعيّ) وصفا للقوس فذلك جائز، وإن شئت أن تجعله وصفا للطيف فهو أحبُّ إليَّ، لأن ألوان الطيف أصول مجملة لألوان الربيع، وألوان الربيع تَمَازُجٌ مُفَصَّل لا محدود بين ألوان الطيف.

و(قوس الطيف) تسمية مني، سميت بها هذه القوس التي ترى عقب المطر وبُدُوِّ الشمس من بين السحاب مُتَجَنِّبًا اسم (قوس قزح) لما ورد في الخبر: (لا تقولوا قوس قزح، ولكن قولوا قوس الله، فإن قُزَحَ من أسماء الشيطان) فهي قوس الله ، يتجلى فيها إبداعه سبحانه للجمال الآخذ بالألباب

--------

 

 

.

وقد سمّاها الوأواء الدمشقي (قوس السماء) فقال:

 أحْسِنْ بيومٍ ترى قوسَ الســـماءِ به *** والشمـسُ مُسـفِرةٌ والبرقُ خَلاسُ
كأنّها قـــوسُ رامٍ والبــروقُ لهـا *** رَشْقُ السِّهامِ وعينُ الشمسِ بُرجاسُ

وسماها سيف الدولة قوس السَّحاب فقال:

وساقٍ صبيح للصَّبُوحِ دعــوتُه ** فقـــام وفي أجفـانه سـِنَةُ الغَمْضِ

يَطُوفُ بكاسات العُقارِ كأنجـــمٍ ** فَمِنْ بيـن مُنْقَــضٍّ علينـا ومُنفَـضِّ

وقد نَشَرَتْ أيدي الجَنوبِ مطارفا ** على الجـوِّ دُكْنًأ والحواشـي على الأرض

تُطَرِّزُها قَوْسُ السَّحابِ بأحمــرٍ ** على أصفــرٍ في أخضـرٍ إثرَ مُبْيَـضِّ

كأذيال خُودٍ أقبلَتْ في غــلائـلٍ ** مُصَبَّغَةٍ والبعـضُ أقصــرُ من بعضِ

 والذي أريده من هذه القوس جمالها الذي يُعَدُّ من آيات الله الباهرة في هذا الكون الجليل الجميل، ولا أريد مدة بقائها، لأنها لا تلبث إلا قليلا، وسرعان ما تزول، حتى قال أحدهم وذكَّر القوس:

 فشبّهْتُ سرعة أيامهم ***  بسرعة قوس تُسَمَّى قزحْ

تلوّنَ معترضا في السما ***  فمــا تـمّ حتـى نَزَحْ

 والربيع والخريف كلاهما غني بالألوان، فلا عجب أن يتجلى نور الطيف الربيعي في سماء الشهبة الخريفية، ويتعانق الألق الفائز من أنفاس الربيع الحرّى مع الوهج المحكم المجلّل لروابي الخريف بمآل الألوان في تَدَرُّج الزمان.

 إنه لقاء نادر بين وجودين قفزا على حاجز زمني لم يستطعْ دفعَ القوّةِ الروحية الجاذبة، فآل إلى السقوط محسورا، واندثر يرقب ما يفعله الانبهار المتبادل من عروجٍ في سماءٍ تلونها الغيوم بأشعة السرور، وتزخرفها البروق بلألاء الحبور.

فيا للتناغم والانسجام .. روضةٌ تنفستْ بَهْجةً نشوى غِبَّ مطر ربيعي ، تسنّمت ربوةً ذاتَ قرار ومعين، يكسوها وقار الخريف بألوانه المعتّقة.. فلا تدري آلروضةُ استعجلت تسابق الزمن جَمَزَى، أم الربوة رجعت في الزمن القَهْقَرَى، ولكنّ الذي هو ظاهر للعيان تآلف نادر، ودليل رباني باهر على أن تجاذب أرواح الكائنات في الوجود أقوى من لباسها الظاهر.

فيا سرورَ الطفولة العابر ميعة الصبا وعنفوان الشباب المشعّ في سماء الكهولة ومروجها المفعمة بعطر الحكمة المبتهجة ثَـبِّتْ قوس طيفك الربيعي ، ودع نسائم الروح السارية في نسيج الوجود تهب على شجر الأنس وفيئه الدائم، لتشدو الأغضان والأوراق بأجمل الألحان التي تطرب الوجدان، وتسمو بالروح نحو رضا الرحمن، محاكية النسائم التي تهب من تحت العرش، وتعزف بمرورها على الأشجار من الألحان ما لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا.

 

ربِّ زدني علما

User offline. Last seen 9 سنة 18 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 19/07/2007

كأني بقطعة من جنات الله في أرضه .. خيوط من الألوان الزاهية تربط السماء بالأرض .. فترسم لوحة كونية رائعة.. مع ما حولها من غيوم في السماء وأشجار في  الأرض .. وأنسام قادمة من السماء تحرّك الغصون والزروع في الأرض .. إنها رسالة واضحة للإنسان .. أن الكون كله وحدة متناسقة ومتناغمة بأجزائها المختلفة .. تتحرك وفق إرادة واحدة .. واللوحة في مجملها تدل على عظمة الخالق وقدرته .. وأن ما تراه أيها الإنسان من خلق بديع وجمال خلاب شيء لا يُذكر ولا يقاس بما أعددته لعبادي الصالحين..

 وقد اكتملت اللوحة بتلك العبارات الأدبية الرائعة.. التي أضفت على اللوحة لمسات وجدانية .. تخرج الإنسان من عالم العذاب والمشاق.. إلى عالم الأعباق والأشواق.. 

سلمت يداك أخي الدكتور .. وننتظر المزيد من مثل هذه الإبداعات النادرة

gul
صورة  gul's
User offline. Last seen 7 سنة 12 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 21/10/2009

و إلى جانب ما أتحفنا الأخ القدير : د بهاء الدين من مشهد آخاذ ليقف اللب

و يتدبر الخاطر ، و العين قد تأملت إعجاز الله في طبيعة تكاد تتكلم !

بل هي لوحة ناطقه ؟

لي كلمات عساني أفي البعض من هذا الذي قرأته من تعابير لا تقل جمالاً ، وهي تربو روعة محيا ما نراه من

سحر هو عظمة الله في بديع خلقه ؟!

و أنا أطالع حروفاً قد رصصن كالؤلؤ المنضود ، وحرير من تبر الأصالة لا شك نسجت ذينيك اللآلئ

تبينت و منذ الوهلة الأولى أني أطالع في أدب العظماء أمثال :

الرافعي ، و المنفلوطي و غيرهم ، ممن يعتبرون من الرواد ، و قد كانو من الرعيل الأول ...

لطالما أمتعتنا كتابتهم ، و الذائقه تذوب تلقاء تعابيرهم ، و هي أشبه ما تكون بتأملات عابد ركن إلى محرابه

يزجي الحكمة أدباً بليغاً ، و يسوق الفلسفة بياناً أنيقاً ...!

د بهاء الدين : لله ما أثمر أدبك ، و لله ما ضمنت نظرتك ، لا أقارضك ثناءً و أنتم أهل لكل ثقيل من التناول !

إنما هو قول و من الإجحاف أن نتقاعس عنه !!

فسر و عين عناية الجمال ترعى فخامة ذوقك البياني المحض ..

و لك منا نحن من ننام على إستدراك مواطن الجمال ، في الآن الذي نتبين فنون المعاني و هي رائقة باذخة

كل العتبى حتى ترضى ..

و اسلم للأدب و هو رزين مكين ، و دم و أنت تنقل لنا حقيقة من إبداع الله في كونه نقلاً من بيانك رائع رفيع

و تلك لَعَمري هي القوة التي تجعل اللفظة المفردة في ذهنك معنى تاماً

فثمة كتاب فضلاء باحثون مفكرون تأتي ألفاظهم و معانيهم فناً عقلياً غايته صحة الأداء و سلامة النسق ، فيكون البيان في

كلامهم على ندرة كوخز الخضرة في الشجرة اليابسه ...

و ربما عابوا السمو الأدبي بأنه قليل ، ولكن الخير كذلك ، و بأنه مخالف و لكن الحق كذلك ، و بأنه محير و لكن الحسن

كذلك ، و بأنه كثير التكالف و لكن الحريه كذلك ؟!

إن لم يكن البحر فلا تنتظر اللؤلؤ ، و إن لم يكن النجم فلا تنتظر الشعاع ، و إن لم تكن شجرة الورد فلا تنتظر الورد

( و إن لم يكن الكاتب البياني فلا تنتظر الأدب )

و كما يقول الأديب الكبير : ( مصطفى صادق الرافعي )

جزيت أخي على ما نقلت لنا من قطعة أدبية فسيفسائية ، ممزوجة ببيان بلاغي رخيم

كل الشكر و أعظم الإمتنان

 

 

 

مشترك منذ تاريخ: 30/11/2009

أشكرك أخي سوار

لا شك أن الجمال المبثوث في هذا الكون يبهر النفوس فتخشع وهي عانية للخالق جل وعلا وعزّ سبحانه، ولكن المقدمة اللغوية الأدبية المتعلقة بظاهرة قوس الطيف لم تكن غاية، وإنما أوردتها لأبرز المظهر المادي للروح الربيعية التي تخيلتها سارية في الكائنات في الربيع..
الربيع روح صاعدة تمثل عنفوان الشباب في دورة الطبيعة والخريف يمثل حالة هبوط هذه الروح نحو الأفول..


ولكن تخيلت أن تجلي مظاهر لروح الربيع في الخريف هو نوع من الانجذاب الروحي من المبدأ للمآل، أو حنين روحي من المآل إلى المبدأ..


إن هذا الانجذاب الروحي أشبه بانجذاب روح فتاة عشرينية لرجل في الخمسين أو روح فتى في العشرين لامرأة في الخمسين.. أو العكس ..


فما يحدث في عالم البشر ليس ببعيد أن يحدث في الطبيعة، فحتى الجمادات لها أرواح تناسبها.. والتجاذب الروحي لا يأبه باللباس المادي الظاهر.. هي فلسفة مستمدة من قوله تعالى :( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)


ومن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "هَذِهِ طَابَةُ وَهَذَا أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ".


مع التحية الطيبة..

ربِّ زدني علما

مشترك منذ تاريخ: 30/11/2009

أختي الفاضلة الأستاذة الأديبة كل

 

حسن ظنك بقلمي الواهن مستوجب من الشكر أعظمه وأجزله، وثناؤكم الموشّى بلطائف الأدب يجعلنى عاجزا عن الوفاء بحقكم..

 

إني لأجد في كتابتكم الأدبية براعم أوشكت أن تتفتح لتزين المحافل الأدبية، وتتوج المجالس البيانية ، فتجعلها روضة فيحاء، أو لوحة مرصعة بالجواهر الملونة بالضياء ..

 

وفقك الله وسددك وأمد قلمك بما يجعله سابقا في مضمار الأدب الرفيع والبيان السامي البهيّ

مع التحية الطيبة وخالص الود وعميق التقدير..

ربِّ زدني علما