خواطر من الطفولة الضائعة (5)
هذه الحلقة الخامسة من (خواطر من الطفولة الضائعة) وهي حول بقايا بئر زراعية تحوّلت فيما بعد إلى ساحة لأطفال حارتنا وبعض الحارات الأخرى ليرسموا على أطرافها ومن حولها ذكريات تعلقت بذاكرتي وأبت أن تُمحى.. وأردت أن أنسخ صورة منها على صفحات كليلكنا الأغرّ.. فعسى أن تنال إعجابكم .. بعد أن تتحملوا شيئًا من طولها .. وإليكم الحكاية من البداية ..
بقايا بئر زراعية..
من طبيعة الحقول والمزارع سابقًا.. وجود بئر كبيرة (غرافة) يسحب منها الماء عن طريق المحرك الذي يعمل على (المازوت).. ويخرج صوتًا ربما كان من أجمل الأصوات التي كنا نسمعها في ليالي الصيف ونحن ننام على الأسطح أو على الأسرّة الخشبية داخل الأحواش.. ثم يتجمع الماء في بركة ومنها يوزع على الحقل بطريقة هندسية من قبل المزارع أو الفلاح عبر السواقي الفرعية..
ومن هذه الحقول..حقل (أبو أحمد) المعروف في عالم الحقول الزراعية.. وكان خلف جامع (قاسمو) من الجهة الجنوبية.. ولم ألحق على هذا الحقل.. إلا أنني وجدتُ أثرًا واحدًا من آثاره والذي تجسّد في بئر زراعية على شكل مستطيل (3×4م) تقريبًا.. وقد رُدم كل أطرافها الترابية من الخارج.. إلا أنها بقيت على حالها لأنها كانت ملبسة بالإسمنت المسلح من الداخل.. وقد جفّ ماؤها.. وقلّ عمقها بفعل الأتربة والنفايات التي كانت تُرمى فيها.. فبقيت على عمق (ثلاثة أمتار) تقريباً..
فأطراف البئر الترابية المنهارة شكّلت منحدرًا متوسطًا حتى تصل إلى البئر الأصلية الملبسة بالإسمنت في الوسط السفلي ..
وكان بيتنا أقرب البيوت إلى هذه البئر.. إذ لم يفرق بينهما إلى أمتار معدودة..
* * *
في صباح أحد الأيام الصيفية .. استيقظت كالعادة مبكرًا وخرجت من البيت .. ولم يكن لبيتنا حوش رسمي.. بل كان سورًا بسيطًا من الحجارة .. فوجدتُ حمارًا أبيض اللون يحوم حول هذه الحفرة.. (شو قصة الحمير بتلك الفترة؟ لا أدري) 8O .. فأبعدته بعصا صغيرة حتى ذهب بعيدًا.. ثم رجعت إلى البيت.. وبعد الظهر وفي حرّ الظهيرة.. جاءنا خبر عاجل عبر الجيران أن أحد (الصغار الشياطين) قد استدرج ذاك الحمار إلى الحفرة الترابية حتى أقبل على حافة البئر من الداخل ودفعه بالعصي وأوقع الحمار في البئر.. فخرجنا أنا وإخوتي الكبار ونزلنا من الحفرة الكبيرة حتى وصلنا إلى البئر ورأينا الحمار المسكين بداخلها وعلى جسمه بعض الجروح.. :cry: :cry: :cry:
وبدؤوا يفكرون بإخراجه.. ولكن لا أمل في ذلك .. لأنه قبل كل شيء (حمار) :wink: .. ولأن البئر حوالي ثلاثة أمتار أو أكثر ..
لم يصلوا إلى حلّ لإخراجه .. وبقي هذا الحمار في البئر حوالي عشرة أيام.. وتولّى أحد إخوتي الكبار الإشراف على إطعامه من قشور البطيخ وبقايا الخضار.. وكذلك سقيه بالماء عبر دلو أو (سطل) كل يوم .. وأصبح هذا الحمار مزارًا للكبار والصغار خلال تلك الفترة :D .. بعضهم يأتي ويتأثر ويدع على الذي ارتكب هذا الجُرم.. وبعضهم يضحك مندهشًا ومستغربًا .. والبعض الآخر يتسلون به بإخراج أصوات الحمير أو رميه بالحصى .. كل يعبّر عن أخلاقه ونمط تربيته ..
وفي أحد الأيام زارنا قريب في البيت كان يعمل في البناء أو نجار بيتون (لا أتذكر).. وأخبرناه بقصة الحمار .. فذهب إليه ورأى حاله.. فبشّرنا أنه في نهاية عمله قبيل المغرب سيأتي بالرافعة (رافعة البلوك والرمل) من مكان عمله ليخرج الحمار من البئر .. :lol:
وبالفعل قبل المغرب بساعة تقريبًا جاء بـ (تركتور) وعليه رافعة وكانت يدوية بدائية.. عبارة عن بكرة حديدية كبيرة .. ملفوفة بكبل طويل من الأسلاك الحديدية القوية.. وله مقبض طويل لرفع الأثقال.. وهذه الرافعة تعتمد في الدرجة الأولى على قوة العضلات.. فنزل بعض الشباب معه عبر سلّم حديدي قديم كان في أحد أطراف البئر .. وربطوا الحمار بإحكام وبشق الأنفس.. ثم صعدوا إلى الخارج.. وبدؤوا بشدّ المقبض لرفع الحمار إلى الأعلى.. وكانوا مجموعة كبيرة من شباب الحارة .. ومن حولهم جمع كبير من الأطفال وبعض النساء.. وبعد عدّة محاولات .. يسّر الله عليهم وتمّ إخراج الحمار من البئر .. مع التصفيق والتصفير من الجمهور المتفرّج .. :D
خرج الحمار وحالته يرثى لها .. خرج هزيلاً ضعيفًا .. خرج بنفسية سيئة.. والدموع في عينيه ممزوجة بحزن الغربة في الجبّ وفرحة الخروج منها .. والاستقبال الحافل به.. :lol: :cry:
واجتمع الناس حول الحمار وأكثرهم من الصغار.. وركب اثنان أو ثلاثة على ظهره.. وبدؤوا يسيرون به في تلك الساحات.. وحمل أحدهم خرقة ووضعها على رأسه.. ويقول: (زين زين مكحول العين) :P .. مثل العرسان .. والجميع يرددون وراءه.. وصاروا يتناوبون على ركوبه.. والحمار بين الحين والآخر ينطنط ويرفس (هل هو فرح .. أم طفش) .. الله أعلم 8O .. إلى تعب معظمهم.. ورجعنا إلى بيوتنا لأن الوقت أصبح متأخرًا بالليل .. وبعدها لم أعرف مصير الحمار .. وأين استقر به المقام..
حقًا.. كان يومًا تاريخيًا في مسيرة طفولتنا البريئة الضائعة .. لا تزال أحداثها الغريبة والكوميدية أمام ناظري أتذكرها أحيانًا ساعات الخلوة مع شريط الذكريات..
* * *
ومن نوادر هذه البئر المحزنة أيضًا .. أنه كان أحد (الشياطين الصغار) :evil: جمع في يوم من الأيام مجموعة من أطفال الحارة أقلّ منه عمرًا.. وقال لهم: تعالوا لندخل إلى داخل البئر عبر هذا السلم الحديدي ونلعب بداخلها.. والشاطر الذي ينزل بالأول.. فتسابق مجموعة بريئة من الأطفال ونزلوا إلى داخلها.. وبقي هو في الخارج.. فقال لهم: انتظروني دقيقة لأنادي فلانًا.. وكان متفقًا مع (شيطان صغير آخر) على هذه المؤامرة.. فجاء به .. فكانا هما في الأعلى خارج البئر .. والمجموعة في الأسفل داخل البئر.. وبدؤوا بتنفيذ الخطة الشيطانية.. بالتبول عليهم (أعزكم الله) :x .. وقف أحدهما في جهة السلّم حتى يمنعهم من الصعود والهروب.. والآخر في الجهة المقابلة.. وأما الذين في الداخل فيتحركون هنا وهناك ويتوارون خلف بعضهم البعض :cry: .. ولكن لا فائدة.. لأن مخزون النجاسة عندهم كان كبيرًا وقويًا .. فلم يفلت منه أحد.. إلى أن أنهيا العملية ولاذا بالفرار.. وتغيّبا عن الحيّ مدة طويلة.. لأنهما بالأصل كانا من حيّ آخر يأتيان إلى حارتنا على فترات طويلة لزيارة بعض أقاربهم..
* * *
ومضت سنتان أو ثلاث سنوات .. حتى ردمت البئر العميقة بالكامل بفعل النفايات والأتربة.. ولكن بقيت الحفرة حولها .. وأصبحت كبيرة بفعل العوامل الجوية والأمطار التي كانت تأكل من أطرافها.. وكانت متوسطة الانحدار .. فصارت مرتعًا للأطفال يلعبون بداخلها وعلى أطرافها.. ومن نباهة الأطفال حينذاك ومن باب (الحاجة أم الاختراع).. أنهم كانوا يصنعون من براميل الزيت البلاستيكية المتوسطة الحجم زلاجات.. فكانوا يقطّعونها طوليًا في منتصفه فيتحول كل برميل إلى زلاجتين.. :wink:
فيضعها في أعلى الحفرة ويقعد فيها ثم يدفعه صديقة دفعة قوية فلا يتوقف إلا في قاع الحفرة ثم يعيد اللعبة ثانية وثالثة وهكذا ... إلى أن يملّوا، وأحيانًا كان يجلس داخل الزلاجة طفلان فتنقلب بهما وسط الطريق.. في غمرة فرح وصراخ وضحكات..
فتحولّت هذه البئر – بعد أن كانت مصدرًا للمياه - إلى مدينة للملاهي مفتوحة لجميع الأطفال والصغار.. مجانية من غير تذاكر.. وليس فيها إلا لعبة واحدة .. وهي الزلاجات البلاستيكة المصنوعة من براميل الزيت.. :wink:
قصص وحكايات .. خواطر وذكريات .. احتضنتها تلك المشاهد البدائية البسيطة .. ولكنها كانت تعبّر عن حياة من لون آخر.. حياة الفقر والمعاناة.. حياة الإهمال والتهميش.. حياة البساطة والبراءة .. حياة آلاف الأطفال المنسيين في ربوع تلك الجزيرة المنسية ..
وتقبلوا تحياتي .. والسلام عليكم..
إسلوب جميل وشيق
لخواطر طفولتك الضائعة, رغم انها حاضرة بكل تفاصيلها الدقيقة المفرحة أحياناً والمحزنة أحيانا أخرى,رغم ذلك يطغى طابع الفرح غالباً لانها تبقى ذكريات مطبوعة في مخيلتك الواسعة.
وذكرتني بنزهاتنا الطفولية لحقولنا الزراعية بالقرية والتي كنا نذهب إليها مشياً و أحيانا ركوبا على الحمير :mrgreen: وأحيانا أخرى يأخذنا أحد أعمامي(كتر الله خيرهم) بسياراتهم البيك آب حيث كنا نتكدس في الصندوق الخلفي للسيارة ونبدأبالاغاني حين وصولناو أحيانا نتعارك :evil: حيث كنا نقضي أياما رائعة في البراري قرب الحقول والآبار الزراعية إلى أن يحل الظلام ومن ثم نعود مشياً على الأقدام :D ....ايييييه أيام لاتعوض.
أخي القدير siwar07
في كل خاطرة تبدع أكثر من التي سبقتها
الله يعطيك العافية
..
قصص وحكايات .. خواطر وذكريات .. احتضنتها تلك المشاهد البدائية البسيطة .. ولكنها كانت تعبّر عن حياة من لون آخر.. حياة الفقر والمعاناة.. حياة الإهمال والتهميش.. حياة البساطة والبراءة .. حياة آلاف الأطفال المنسيين في ربوع تلك الجزيرة المنسية....
....................................................................
لك الله أيتها السنين ، و لنا من زمن بتنا و رغم دواعي الراحة ، و أسباب الحضارة ...
نتوق لتلك الأويقات ، و لهاتيك السنوات !!
و ليس ادلَّ على ذلك ما قاله : يونس بن ميسره : لا ياتي علينا زمان إلا بكينا منه ! و لا يتولى عنا زمان إلا بكينا عليه ! و من قوله :
( رب يوم بكيت منه ، فلما .................. صرت في غيره بكيت عليه )
صدقت أيها اللبيب ..
و الله لزمن حوى البراءة ، و ضم العفويه ، و ما ذكرته أخي القدير : siwar07
من ذكريات تدق أبواب ذاكرتك بين الحين و الآخر و أنتم تنثرونها هنا على هيئة سلسلة عذبة ليطيب لنا أن نرهف النظر اليها و كلنا توق لتتبع أحداثها الى أن تصل بنا الى خاتمة تنهمر على أثرها حسرات على ذنيك اللحظات ..
لأجمل و أعذب مما نعيشه الآن من زيف الحضارة ، و تلوث الأنفس ، و تبدل الطباع ، ناهيك عن إندثار الخير و نسف البركة ....!!
زمن ولى ، و عهد إنفرطت حباته على عتبان هذا الحاضر المعتل ..
و أنت تسرد طفولتك أتذكر حكايا الأهل و هم يتنهدون حسرة و ألم على زوال فترة لهي من أثمر الأوقات بساطة و جمالاً و حميمية ....!!
على الرغم أننا لم نعشها لكن أكاد أتلمس نكهتها دانية من أنفاسي و ظن يحدوني بأن كنت هناك ...!!
.................................................... سرد محكم ، و ربط متين ، و لغة سلسة ، فضلاً عن حضور أدوات و مستلزمات تفيك مؤونة ان تسير الى رحلتك و انتم اصحاب حرفية عاليه في هذا المضمار !!
........................................... ما زلنا نتمتع ، و لما تزل الأفئدة مشدودة إلى خواطرك الضائعة ....
روشدار, Pella, gul, الغوالي والأعزاء ..
مداخلاتكم الرائعة أغنت الخواطر أكثر فأكثر .. وآمل أن يجمع كل واحد منا خواطره في مراحله المختلفة .. وينشر ما تستحق على صفحات كليلكنا الأغرّ ..
وتقبلوا تحياتي .. والسلام عليكم ..
يا للقصص الشيقة ..
حقا شي مو طبيعي خاصة حكاية المكيدة.. :lol: :lol: :lol:
لك الشكر الجزيل على ماتقدمه لنا وننتظر المزيد
خواطر محزنة و مضحكة تمتزج فيها الدعابة والملهاة مع المأساة , مع اعتقادي بأن الحمار كان يتمنى أن يبقى في الحفرة بدل أن يضرب بالعصي ويركب عليه بني البشر ! و لكن فات الأوان فلو تكلم لقال لكم ( دخيلكم رجعوني عالحفرة ) لا شغلة و لا عملة وفطور وغدا وعشا مأمن , ! شو بدو أحسن من هيك ? .. كل الشكر أخي سوار و دمت بكل خير
تحياتي للأخوين القديرين جوان وعماد ..
ونحن أيضًا ننتظر خواطركم .. فلا بد أن لكم من الذكريات غير التي ذكرناها .. وكذلك جميع الأعضاء في كليلك .. وبتجميع هذه الخواطر والذكريات المتنوعة والمتباينة .. والمفرحة والمحزنة .. نكون قد عملنا رصيدًا معلوماتيًا جيدًا عن حياة مجتمعنا الكردي في مراحل مختلفة ..
وكليلك الأغرّ لن تقصّر معنا في الاحتفاظ بها ومطالعتها في أي وقت نشاء ..
والسلام عليكم ..
.. كل يعبّر عن أخلاقه ونمط تربيته ..
خير الكلام ما قل ودل,
عشنا لحظات شيقة مع قصة الحمار المؤسفة الممزوجة بدموع الحزن والفرحة
كل الشكر أخي الكريم بعطائك ووقتك, أحذر عيون بعض الحساد أة المتحسرين :mrgreen: على هكذا طفولة مفعنة بالنشاط والمغامرات الخالدة :wink:
تحياتي بيلسان الغالية ..
والحمد لله على سلامة الأسفار والامتحانات .. وأسأل الله القدير ألا يضيع جهودك ويرزقك أعلى الدرجات ..
كانت تلك طفولة عشرات الآلاف من الأطفال .. فهي جزء للمشهد العام الذي كان الطفل يتحرك فيه عبر وسائل بسيطة وبدائية للتعبير عن طفولته..
والسلام عليكم ..


ذكرتني بدموع حمار بعد قسرا عن صغيره ولا أتذكر التفاصيل .
خواطرك تحرك فينا البسمة حينا والتنهيدة أحيانا .
دمت سالما
لا تكن وتراًً يعزف عليه الحياة ... بل كن عازفاً يعزف على أوتار الحياة أجمل الألحان