خواطر من الطفولة الضائعة (8)
تحياتي للجميع ..
مدرسة صقر قريش ..
سنرجع قليلاً إلى الوراء .. لأني لم ألتزم من بداية كتابة هذه الخواطر بالترتيب الزمني.. ربما أعدّلها في المستقبل القريب إن شاء الله .. نرجع إلى الصف الأول الابتدائي والذي قضيته في مدرسة صقر قريش.. ولا أدري التسمية الجديدة لها الآن .. وهي المدرسة الواقعة في حي الهلالية على الشارع العام الذي يوصل القامشلي بعامودا.. أعتقد أن هذه المدرسة خرّجت أجيالاً كثيرة من التلاميذ الذي أصبحوا فيما بعد أطباء ومهندسين وأستاذة في الجامعات وغير ذلك .. لأنها كانت المدرسة الوحيدة في الجهة الغربية من القامشلي..
كانت المسافة بين بيتنا وهذه المدرسة عدة كيلومترات.. كنا نقطعها عبر الأراضي الزراعية والشوارع الترابية التي كانت مزعجة جدًا في الشتاء .. :cry: والتي عبّدت فيما بعد بما يُسمى بالإسفلت الذي لا يتحمل سنة أو سنتين حتى يتحول معظمها إلى حفر ومستنقعات ومطبات.. وهي نتيجة طبيعية عند غياب النزاهة والإخلاص في الإدارة والمسؤولية..
نعود إلى مدرسة صقر قريش الابتدائية الأبيّة .. هذه المدرسة كانت طابقًا واحدًا .. ويبلغ عدد فصولها حوالي العشر فصول.. مع إدارة المدرسة وغرفة المدرسين .. لم يكن لهذه المدرسة سورًا رسميًا من الإسمنت.. وإنما كان أسلاكًا موصلة بين أعمدة اسمنتيه مهترئة.. وهي في معظمها مقصوصة أو محفورة من تحتها.. لتشكّل فتحات لدخول التلاميذ وخروجهم وهروبهم أحيانًا.. :lol: وكانت منفذًا أيضًا لهؤلاء التلاميذ أثناء الفسح (الفرص) ليشتروا أشياء من البقالة المجاورة للمدرسة .. أو من العربة الواقفة في إحدى زواياها والتي تحمل أنواعًا من السكاكر والحمص (قضامة) وبذر دوار الشمس.. وكان سعر كأس البزر بفرنك واحد .. :wink:
أما أرضية باحة المدرسة فكانت ترابية مثل تلك الشوارع التي كنا نعبرها .. بل كانت رغم ذلك غير مستوية.. فمناطق مرتفعة وأخرى منخفضة .. وفي فصل الشتاء لا يستطيع التلميذ الخروج إلى هذه الباحة إلا إذا كان لابسًا حذاءًا طويلاً ضد الماء والوحل .. وإذا نزل الباحة رجع إلى الصف (الفصل) ومعه كتلاً من الطين اللازب .. يوزعها خلال ثواني في كل زوايا الفصل (الشعبة).. :wink:
عانيتُ في بداية الأمر من هذه المدرسة.. إذ كنتُ صغيرًا.. وكنتُ أرى المدرّسين الذين يحمل معظهم عصوات ويمشون في ممر المدرسة مثل الصقور.. هذا يضرب تلميذًا.. وذاك يصرخ ويشتم.. والثالث يمشي مع مدرّسة ويتبادل معها الابتسامات :lol: .. وهكذا.. لكنه يبقى وحشًا مخيفًا بالنسبة لأعمارنا .. :evil:
ومضى وقت لا بأس به حتى استقر بنا المقام في شعبة تابعة للأستاذ علي.. وكان مدرّسًا طيبًا وقاسيًا في الوقت نفسه.. يستعمل الترهيب والترغيب.. حيث كان شديدًا مع المتسيّب والمشاغب .. ولكنه كان طيبًا جدًا مع التلميذ المؤدب والمتابع للدراسة .. كان يستخدم الفلقة على الكرسي مع المشاكسين.. وقد استخدمها كثيرًا مع عيسى.. وهو تلميذ كسول ومشاغب من الطراز الأول .. فكلما ينال عقوبة الفلقة .. كان تلاميذ الصف يفرحون وينتعشون.. لأنه كان منبوذًا من الجميع.. ربما كان راسبًا أيضًا في السنة التي قبلها.. لأنه كان ذو بنية ضخمة..
ومن الطرائف التي احتفظت بها ذاكرتي في هذه المدرسة أن معظم التلاميذ كانوا لا يجيدون العربية.. فجميعهم من الكورد .. ولم تكن هناك فضائيات ولا اختلاط مع العرب حتى يتعلموا اللغة الرسمية في المدارس .. فذات يوم حدثت مشكلة بين اثنين من زملائي في الصف أثناء الفسحة (الفرصة).. وكان الجو ماطرًا وباحة المدرسة كلها طين وماء .. حيث دخل أحدهم الصف و(صدريته) متسخة بالطين والماء فسأله المدرّس عن السبب ؟.. فبدأ يبكي ويتّهم زميله بأنه دفعه على الأرض .. بلغة معظم كلماتها كوردية.. فأشار الثاني إلى شاهد على الحدث.. فأقبل الشاهد على الأستاذ وقال له (بهذه اللغة بالضبط): يا أستاذ هذا دروين (كذاب) :lol: .. لأنه كان واقفًا برا وكان يميز (يبول) [أعزكم الله].. :lol: :lol: وتشمَّط (تزحلق) :lol: ووقع في الحري (الوحل).. :lol: وأتذكر ضحكات الأستاذ التي لم نكن نعرف سببها .. لأن معظمنا كان بهذا المستوى ..
ومضت الأيام والشهور في هذه المدرسة .. ولكن حدث شيء غريب داخل فصلنا (شعبتنا).. إذ بدأ عريف الشعبة (أحمد) والذي كان راسبًا أيضًا.. وهو أطول تلميذ في الصف.. بدأ يمارس أسلوبًا قذرًا مع التلاميذ الضعفاء الذين يرهبون من المدرّس.. فكان يأخذ من كل واحد منهم مصروفه اليومي (فرنكًا أو فرنكين) .. وكان يهددهم بتسجيل أسمائهم وإعطائها للمدرّس إذا لم يعطوه الأتاوة الصباحية..
لم نكن نعرف بالقصة إلا بعدما كشفت حقيقتها وكانت قاصمة للعريف أحمد .. فحين خروجنا للانصراف في الظهر فإذا بشاب كبير عند باب الفصل وهو ينادي أخاه الصغير الذي كان معنا .. قائلاً: أين هو (يعني أحمد): فأشار إليه.. فضرب هذا الشاب لكمة قوية على وجه العريف أحمد.. وتابعها بضربات من كل الجهات حتى نزف فمه وأنفه دمًا.. وصارت مشكلة في المدرسة .. يبدو أن أحدهم أخبر أخاه بالموضوع.. فعوقب العريف أحمد بعد ذلك بالفلقة أمام التلاميذ .. وعُزل من العريفية .. وأصبح بعدها مثل الفأر في الفصل إلى نهاية العام .. :(
ومن الذكريات الجميلة في هذه المدرسة.. أن أحد المدرّسين فيها كان زميلاً لأحد إخواني.. فكلما رآني أمسك بيدي وأخذني معه لغرفة المدرسين.. وأجلسني بجانبه.. وكان ذلك شيئًا كبيرًا بالنسبة لي .. وخاصة حين يراني زملائي.. فالكل يحسبون لي ألف حساب .. ليس هذا فحسب .. بل إن هذا المدرس الطيب كان يكرمني في كل لقاء بإعطائي فرنكين ..
ولكن من الأشياء المحزنة والمضحكة في هذه المدرسة .. الكابوس الذي كان يخيف جميع التلاميذ صغارهم وكبارهم.. وهي سيارة الصحة المحمّلة بطاقم طبي لإعطاء التطعيمات الضرورية للتلاميذ ضد الجدري أو الشلل أو الحصبات وغيرها.. وهي في معظمها حقن (إبر).. إلا قليلاً منها كانت على شكل نقاط في الفم .. ففي أحد الأيام الذي كان الدوام في الفترة المسائية (ظهرًا).. وقبل أن ندخل المدرسة رأينا سيارة الصحة عند مدخل المدرسة.. فأصابنا ذعر كبير .. وتوتّر الجميع من وجود هذا الكابوس على بوابة المدرسة.. ودخلنا الفصول بلا وعي.. لأن بالنا مشغول بالمصيبة التي تنتظرنا .. بعد ذلك أخرجونا إلى الباحة ونظّمونا على شكل أرتال مفردة.. كل فصل (شعبة) في طابور مستقل.. وبدؤوا بالتطعيمات بالصفوف الرابع والثالث.. وحين وصل الدور إلينا .. لم يبق من طابورنا إلا عدد محدود .. فالجميع هربوا من بين الأسلاك إلى خارج المدرسة .. خوفًا من الإبر .. :lol: :lol:
وأخيرًا لا بد أن أذكر هنا (من باب الوفاء) شخصية كانت مهمة ومعروفة في هذه المدرسة.. هي الخالة الرحيمة والحنونة (نعيمة) .. (آذنة) المدرسة وتبيع في بسطة صغيرة بعض السكاكر والبسكوت وحلاوة الحلقوم (الراحة).. حيث كانت تمنح التلاميذ حبًا وحنانًا .. حتى أنها كانت تتدخل أحيانًا لمنع المدرّسين بمعاقبة التلاميذ .. كما أنها تتوسط لبعضهم الآخر في نقلهم من فصل إلى فصل .. فكانت في الحقيقة إنسانة عظيمة تركت لمساتها الطيبة والحانية في نفوسنا وذاكرتنا إلى الآن .. وأظنّها توفّت .. رحمها الله تعالى وجعل الفردوس مثواها..
والسلام عليكم ..
جاري القراءة بعد ما خلصت السلاسل السابقة
أشكرك على سلسلتك من جديد سوار العزيز ...وأتمنى أن تبقى منبع المتعة والإفادة والاعتبار ثم تكون قناة نظيفة تستعيد لنا نقاء و براءة أيام الطفولة..
الذكريات المدرسية كثيرة ..ومختلفة ..مع الأساتذة والآنسات والطلاب والمدراء والموجهين والشعب المدرسية وممراتها وباحتها ..والجميل أنها تظل مدونة في صفحة الذكريات دون أن يمحها تقدم الزمان , وهذا يساعدنا أن ندرك ونستنتج أموراً لم نكن نصلها في صغرنا ...بسبب النضج وتوسع الأفق .
بالنسبة لي كان مما أضعه في تقديري مع كل سنة دراسية أن أجد صديقاً مخلصاً على الأقل فيفيدني وقت الشدة وفي أزماتي مع الطلاب والوظائف والمواقف ..لأكون مشدود الظهر ليس مستضعفا يأخذ خبزي القاصي والداني.
أما بالنسبة للأساتذة فكانوا إما أبناء الحي أو صديق للوالد وأضعف الإيمان تواجد صلة بعيدة توصلني إليه...
وقد مر علي موقف مضحك مبك مع أحد هؤلاء الأساتذة في الصف الخامس , وكان ذلك أغرب مواقف المرحلة الابتدائية التي فرضت نفسها لتترسخ في مقدمة صفحة الذكريات الغريبة..
حيث طلب الأستاذ من المتفوقين قبل توزيع الشهادات أن يشتري كل منهم شهادة تقدير لنفسه لكي يضعه على الشهادة ؟!! ولم أجد مبرراً لذلك سوى البخل والتكاسل وانخفاض مستوى الوعي والإحساس بالمسؤولية , فبئس الأستاذ كان! ..ماذا فعلتُ ؟ قمت بشراء أكبر شهادة تفوق في السوق غطى كامل شهادتي المدرسية ( بما أنني مكلف بتقدير نفسي فسأقدر نفسي بأفضل ما أستطيع ) .. فتعجب الأستاذ حينها !! وسألني: لما كل هذا الحجم يا طالب ؟ أجبته : لكنك لم تحدد لنا مواصفات معينة يا أستاذ ! فتوقعت حينها أن أرمى بكف , ولكن الحمدلله كفاها المولى , لأنها كانت العادة .. فمن رد عليه بإجابة لا تعجبه صعق بكف لولبي من يد عنيف وتكون الضحية تلك الوجوه الناعمة الحامية لعقول بريئة.... هدى الله أمثالك يا أستاذ ..فرضت علي أجعلك رمز الأستاذ السيئ والفاشل...
فكم من أستاذ مر علينا كان يعاني من اضطرابات نفسية ومشاكل عائلية , وكل ذلك يؤثر على مستوى الطلاب وشخصياتهم ..؟!!!!
وما بدي أكتر بالطرائف والحوادث المدرسية يعني يادوب تلحقو تقرو تبع سوار :lol:
ويمكن تمادينا بالطول شوي خال ازرعها بذقن العريف أحمدو هل المرة :mrgreen:
دمتم مستمتعين بذكرياتكم
بسم الله الرحمن الرحيم
تحية للاخ سوار على خواطره التي تعيدنا الى ايام الطفولة والمدرسة الابتدائية , وبالرغم من ان تلك الايام فيها الكثير من الالم والمرار بسبب الفقر الذي كان يعاني منه معظم الناس ولكن تبقى اجمل ايام العمر .
اخ سوار اذكر طفلا عندما دخل الى الصف الاول الابتدائي , كان يتهرب من الذهاب الى المدرسة , ربما خوفا من المعلمين , او ربما انه لم يكن يعرف التكلم باللغة العربية , وكانت والدته تحاول بكل الوسائل ان تحبب اليه المدرسة ولكن لا فائدة .
المهم : في احد الايام ارادت والدته ان ترافقه الى المدرسة لتطمئن عليه , فحملت حقيبته بيد وامسكت بيد الطفل بيدها الاخرى وسارا في طريق المدرسة , وعندما راى الطفل انه لا مجال للهرب قال لوالدته ( خلاص يا أمي ... بدي اروح لحالي ... لا تعذبي حالك ) , فأعطته والدته الحقيبة وتركته يذهب وما أن أدارت له ظهرها حتى وضع الحقيبة على الارض وولى هاربا ونادى والدته من بعيد لتأخذ حقيبته فهو لن يذهب الى المدرسة :lol: :lol:
شكرا لك سوار وبانتظار خواطر 9
.
جنك .. ن .. شيرزاد .. رونيدا.. الغوالي .. تقبلوا تحياتي لمروركم الطيب ..
جنك .. ايه والله كان مشوار مزعج جدًا يا أخي .. خاصة أيام الشتاء ..
شيرزاد جريء من يوم يومك ..
رونيدا .. هذه الحالات تحدث لمعظم الأطفال في السنة الأولى .. وربما أغرب من ذلك أيضًا ..
والسلام عليكم ..
بكل شوق نعود ليومياتنا مع طفولتنا الضائعة, كل الشكر لك أخي سوار للمتابعة والمجهود الممتع
مع كل جملة كانت تمر عبر ذاكرتي المهتكة بضع صور مشاهة لمضمون ما أقرأ, فمنا الكلام العفوي والبريئ من زملائنا والممزوج بالكردية البحتة التي كنت ألاحظها فورا كوني متحدثة طليقة باللغتين حتى اليوم :mrgreen: ,,, ومنها لحظات هروبنا من المدرسة (لم تكن كثيرة مرتين أو ثلاث خوفا من غضب والدي رغم عدم تنبيهه إلا أنني كنت مدركة مدى الخطأ الذي نرتكبه) ومنها محبة المدرسات ولحظة كانت غريبة بالنسبة لي حيث اجتمعت 4 مدرسات اختلفوا عمّن ستكون مدرستي فقرروا سؤالي وبكل غرابة وبرائة اخترت المسكينة بينهم ربما لشيء من الحنان الغامض في عينيها حتى وصلت لآخر لحظة حيث الكابوس المرعب والذي صدقا ككنت قد نسيته مع ام نبيل (آذنة) في الروضة,,, كانت غريبة جدا وقاسية جدا علماً بأن جميعنا كنا أصغر سناً من الـ 6 سنوات كونها مرحلة تحضيرية فقط,, فقد انهالت في احد المرات بالضرب الشديد والمبرح على أحد الأطفال لأنه كان مريض وتسبب لها بغسل مساحة من الكريدور, ارعبني موقفها جدا بالرغم من الرفاهية حيث لم تكن الأ{ضية طين إنما بلاط ومغلقة تماما ومدفأة بشكل رائع حيث أنها لن تعاني أكثر من حمل المسّاحة وتنظيف مساحة 2 م فقط
رغم كل شيئ, كنا بسيطين جدا لحد السذاجة أحيانا, وكانت قلوبنا مفعمة بالحنان دون أي مبرر وغلبت عفويتنا على كل لحظاتنا إلا أن ...
الله يرحمها سواء عايشة أو ميتة ويسامحها على قسوتها
تحياتي بيلسان العزيزة ..
مرور طيب ومبارك ..
ذكرتيني يا بيلسان باختيارك لهذه المدرّسة بموقف مشابه حدث معي في الرابع الابتدائي.. كانت تدرّسنا (آنسة) عفاف.. فمرضت مرة وجاءت أختها بدلاً عنها لعدة أيام.. وكانت ظريفة جدًا معنا .. فبعد أن عادت الآنسة عفاف.. أوقفتني في الممر ووضعت يدها على كتفي وهمست في أذني قائلة: "أنا كويسة ولا أختي" فقلتُ ببراءة: أختك .. فأخذتها ضحكة قوية وهي تضرب على كتفي وتقول: برافو أختي طيبة لأنها لا تضرب أحدًا ..
لأن هذه الآنسة رغم طيبها وحرصها علينا إلا أنها كانت عصبية وتضرب بالعصى..
اييييييييييييييييييييه .. والله زمان ..
السلام عليكم ..



تحياتي خال
على فكرة المدرسة لسا أسمها صقر قريش
بس الطريق من البيت للمدرسة طويل (رحلة اولاد القامشلي اليومية) شلون كان شعورك و انت تفيق الصبح كل يوم بصراحة :D
شكرا خال