محنة خلق القران
كان ظهور المعتزلة تأسيسا لما أصبح يسمى بعلم الكلام الذي اختص بدراسة قضايا العقيدة, أما في الواقع فقد مثل المعتزلة بداية التفاعل مع السائد الديني-المعرفي والفكري في البلاد المفتوحة وبداية تعديل تفسير النص المقدس وفق أسس عقلية تحديدا..كانت مدرستي النقل في الحجاز والعقل في العراق في مقاربة القضايا الفقهية قد تمايزتا لتحددا المقاربتين الأبرز للنص المقدس..و هكذا إلى جانب القضايا السياسية الساخنة المتعلقة بقضية الإمامة وتبرير ظهور "الملك العضعوض" (الحاكم المطلق) برزت قضية هامش ودور العقل في مقاربة النص المقدس وتفسيره..أراد المعتزلة أن يحلوا تناقضات النص المقدس بتأويل تلك النصوص بما يحقق انسجامها مع مقتضيات العقل فيم أقر الخطاب السلفي تلك النصوص كما هي خارج حدود وإمكانيات المقاربة البشرية معتبرا العقل البشري في وضع أضعف من مقاربتها أو القدرة على تفسيرها..من هذه المقدمة وصل المعتزلة إلى نفي صفات الذات الإلهية فأبطلوا أن تشاركه في القدم ومن هذا النفي كان اعتبارهم القرآن مخلوقا أي محدثا. ومن هنا بدأت المحنة، أومحنة خلق القرآن هو تتابع أحداث في التاريخ الإسلامي بداية من 218 هـ/833 م واستمرت قرابة خمسة عشر عاماً.
حت |
[] الحدث
سبب المحنة كان محاولة من الخليفة العباسي المأمون في عام 218 هـ/833 م لفرض آرائه الفلسفية حول عدة مواضيع. وكان يتلخص في سؤال واختبار أشخاصا بعينهم، فيما يرونه من وجهة نظرهم، حول ما إذا كان القرآن مخلوقا أم لا. كل الطوائف أجابت أن القرآن هو الكلمة التي لم تمسها شائبة منسوبة إلى الله العلي، بما يعنى أن القرآن كلام الله ولم يخلق. وكانت المسألة هل القرآن مخلوق (هذا هو موقف ورأى المأمون) أم أن القرآن هو كلام الله. وكان هذا الجواب الأخير لايخلو من العواقب من قبل المحققين واتخذت ذرائع ضد من رفض الزعم بخلق القرآن، بما فيها الفصل من الوظيفة العمومية، والسجن، وحتى الجلد أيضا. واستمرت المحنة بعد وفاة المأمون وفى عهد خلفه المعتصم والواثق وانتهت عام 861 م بوصول حفيد المأمون، المتوكل.
] رأي المعتزلة في مسألة خلق القرآن الكريم
تشكل مسألة خلق القرآن التي قال بها المعتزلة اخطر القضايا المثارة في الجدل اللاهوتي الذي شهده التاريخ الإسلامي في العصرين الأموي والعباسي. بل إن هذه القضية لا تزال تحتل موقعا راهنيا في السجال حول كيفية قراءة النص الديني. أتى قول المعتزلة بان القرآن مخلوق وليس أبديا تطبيقا عمليا لاعتماد العقل في تفسير الشريعة الإسلامية، واستندوا هنا أيضا على نصوص دينية لدعم حجتهم. في هذا المجال، انطلق المعتزلة من مسألة صفات الله، فبعد أن قرروا وحدة الذات الإلهية وصفاتها، وقرروا نفي الصفات الزائدة عن الذات، تحولوا إلى النظر في ما ورد من هذه الصفات داخل النصوص الدينية عبر إخضاعها إلى التأويل العقلي.
اعتبر المعتزلة أن القرآن يحوي نصوصا متنوعة ومختلفة ومتعارضة أحيانا، ففيها من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد والكلام التشريعي والكلام الإخباري والكلام الوضعي، كما يجمع بين المسائل الروحية والدنيوية في آن. إذا كان ليس جائزا تنسيب التناقض في القول إلى الله، يصبح من الضرورة إذا اللجوء إلى النظر العقلي لتفسير ما ورد في القرآن، مما ينزع عنه الأبدية أو عدم الاجتهاد في نصوصه، لان "كلام الله محدث ومخلوق في محل، كما هو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه"، كما يشير المعتزلة إلى ذلك.. يذهب القاضي عبد الجبار أحد ابرز أركان المعتزلة في شرحه مبررات القول بخلق القرآن إلى القول:"إن القرآن كلام الله ووحيه، وهو مخلوق محدث، انزله الله على نبيه ليكون علما ودالا على نبوته، وجعله دلالة لنا على الأحكام لنرجع إليه في الحلال والحرام، واستوجب منا بذلك الحمد والشكر والتحميد والتقديس..القرآن يتقدم بعضه على بعض، وما هذا سبيله لا يجوز أن يكون قديما، إذ القديم هو ما لا يتقدمه غيره… وآخر، ونصف وربع، وسدس وسبع، وما يكون بهذا الوصف، كيف يجوز أن يكون قديما؟".
لم يكتف المعتزلة يتجاوز المألوف في الجدل اللاهوتي بقولهم بخلق القرآن، بل تجاوزوا ذلك إلى نفي صفة الإعجاز عنه، وهو ما نظر إليه في وصفه مساّ بمقدسات أجمع عليها المسلمون، وكانت مصدر فخرهم وتميزهم بأنّ كتابهم العظيم يصعب الإتيان به من حيث النظم والبلاغة والفصاحة. في هذا المجال، كما في خلق القرآن، كان المعتزلة منطقيّين مع أنفسهم وأمناء لمنهجهم العقلاني في النظر إلى الأمور وعلى الأخصّ منها النص الديني، برفض كل ما لا يقبله العقل مهما أهدلت عليه صفات القدسية. شكلت قضية خلق القرآن عند المعتزلة جوهر نظريتهم في اللاهوت الإسلامي وفي الجدال الذي انخرطوا فيه أو فرض عليهم. لم يختلفوا عن اخصامهم في اعتماد تكفير من خالفهم الرأي في هذا المجال، وستتخذ هذه المسألة حجما كبيرا عندما ستفرض عقيدة على الدولة الإسلامية في عهد الخليفة المأمون. لكن المعتزلة ستؤسس في قضية خلق القرآن لوجهة "ثورية"، إذا أردنا استخدام مصطلحات حديثة، في قراءة النص الديني الإسلامي، تشكل اليوم محورا مركزيا في الصراع السياسي على الإسلام وعلى كيفية توظيفه بما يخدم التقدم والتطور أو بما يكرس التخلف والتطرف والإرهاب. تسود اليوم وجهتا نظر مركزيتين في قراءة النص الديني، واحدة ترى فيه نصا صالحا لكل زمان ومكان ولا يجوز الاجتهاد فيه، وأخرى ترى فيه نصا تاريخيا له زمان هو تاريخ الدعوة الإسلامية، كما له مكان هو الجزيرة العربية، وان قراءته يجب أن تعتمد زمان نزول آياته ومكانه وسبب هذا النزول والحاجة التي أتت لتلبيتها، وهي قراءة ترفض التسليم بالمعنى الحرفي الظاهري للآيات. ليست الخلافات شكلية بمقدار ما يترتب عليها من ممارسات خطيرة.
فالنص القرآني، على سبيل المثال، يحوي آيات تبرر العنف ضد غير المسلمين وتضعهم في خانة الكفار الذين تجب محاربتهم، وهي آيات معروف تاريخ نزولها وارتباطه بالصراع الذي كان دائرا زمن الرسول من اجل نشر الدعوة الإسلامية خارج الجزيرة العربية. تشكل هذه الآيات اليوم أحد المفاهيم الأساسية التي تقول بها الحركات الإسلامية المتطرفة والمعتمدة العنف أسلوبا في عملها. ترمي هذه الحركات في وجه منتقديها حجة مفادها أنها تعتمد القرآن مرجعها وأنها تنفذ ما أتى به في صراعها مع "الكفار"، وهو أمر نطقت به "القاعدة" وقارعت المؤسسة الدينية التي واجهتها بإيراد آيات التسامح والرحمة ورفض العنف. طالما أن المؤسسة الدينية تعتبر أن النص القرآني صالح لكل زمان ومكان، وانه يجب الأخذ به في كليته أو رفض الاجتهاد في بعض آياته وقراءتها قراءة تاريخية، فان حجة الحركات المتطرفة ذات المنحى الإرهابي ستظل أقوى لجهة مرجعية القرآن في كل ما تقوم به. من هنا القول إن مسألة خلق القرآن مسألة راهنية بامتياز وفي صلب معركة العالم الإسلامي في محاربة استخدام النص الديني لأهداف سياسية لا تعود على المسلمين سوى بأضرار صافية.
الغموض وراء المحنة
وقد عدت المحنة حدثا محيرا، في التاريخ الإسلامي، وبخاصة أنها بدأت في العهد, الذي أعتبر، وكان ذو سمعة إنفتاحية للعقل، وطغيان العقلانية ,عهد الخليفة المأمون. وإن كان من المعتقد على نطاق واسع إلى ان المأمون بادر بإبراز هذا الأمر تحت تأثير شديد الإرتباط بالمعتزلة إن دراسة متأنية للأحداث التاريخية, تساعد في تكشف أكثرالدوافع تعقيدا وراء الحدث. نواس (1994, 1996) درس التفسيرات المقترحة لدوافع المأمون للمحنة وخلص إلى أن المحنة كانت في الغالب محاولة من المأمون لتأمين كامل السيطرة من جانب الخلافة فوق المؤسسة الدينية كما فعلت بسيطرتها على السلطة العلمانية، وتلك هي النقاط الرئيسية لتلافى تأكيد أثر المعتزلة:
1. إن المذهب القائل بخلق القرآن ليس على سبيل الحصر معتزلى. إن الشيعة على العموم كانوا يعتنقونه, قبل المعتزلة بوقت طويل.[بحاجة لمصدر] أيضا فإن الجهمية إعتقدوا به إضافة إلى أنهم بالتالي لجأو إلى الدفاع عن حقوق المعتزلة الحرة، وكان ذلك على طرفي نقيض.
2. شملت محكمة المأمون بعضا من المعتزلة ولكن أيضا بعضا من المناوئين لهم والمفكرين والبحاث مثل بشر المريسي، وهو جهمي. ولم يكن أيا من المعتزلة يشارك بصورة مباشرة في الاستجواب عدا أحمد بن أبى داوود الذي حسب مصادر المعتزلة لم يظهر كونه مساهما في النظام المذهبى لمدرسة المعتزلة.
3. شملت محكمة المأمون علماء عدوا من "أهل السنة والجماعة" — وهو اصطلاح يستخدم للتعريف بالمسلمون ذوى المعتقد التقليدى وفيما بعد فإن عالما من مسلمى أهل السنة والجماعة أمثال يحيى بن أختم الذي حث المأمون بالعدول عن إجازة زواج المتعة وعن لعن الخليفة معاوية رضى الله عنه, مؤسس الدولة الأموية، على المنابر سواء الأعمال التي ترتبط بقوة بالشيعة. وفي الحالة الأخيرة، وتفيد التقارير أن يحيى قد أقنع المأمون عن طريق التأكيد على أنه، بوصفه خليفة، ينبغي أن يكون فوق المذاهب والمدارس.
4. أظهر المأمون نفسه, أنه في حال وضعت الدلائل التاريخية في الإعتبار, ليكون انتقائي في معتقداته. فإن بعض المعتزلة قد اتهموه بالإعتقاد في القدر المحتم غير المشروط. وهى حجة من التي يقول بها الجهمية [1].
5. مثل أعضاء مختلف المدارس, فإن علماء المعتزلة قد قسموا إلى فريقين: فريق مساهم في النظام السياسي (للمساعدة في الإصلاح أو الحد من الشرور، ناهيك عن المصالح الشخصية)، وفريق قائم على رفض الظلم ورفض اضفاء الشرعية على النظام السياسي الفاسد. دائرة العمل (2006) ويدعو فريق فرعي ضمن المجموعة الأخيرة "المعتزلة الصوفية" الذين " رفضوا ليس فقط الدولة كحكومة مركزية، ولكن أيضا رفضوا العالم— بما تعنيه, التجارة أو أى نوع من النشاط المدر للمال والربح."
6. في رسائله إلى والى بغداد من أجل الشروع في أمر المحنة، عمد المأمون مقدما نفسه نفسه بوصفه ممثل الله على الأرض، ورثة نبى الإسلام, والقيم والحارس للمعتقد الإسلامي. هذا لا يعني أن المأمون قد إعتبر نفسه حائزا على السلطة التشريعية التي تحل محل المصادر الروحية الإسلامية.[2] وذكرإأنه لا يوجد أي سجل أو تقرير يشبر إلى أن المأمون وضع نفسه فوق القرآن، وجميع الآيات قرآنية التي إستشهد بها في أمر المحنة كان قد فسرها بمنطق غريب مع إلتزامه بالنص. بالإضافة إلى أنه, ليس بالضرورة ان يكون المأمون قد أراد أمرا سيكون وحده الذي يحدد العقيدة الإسلامية الصحيحة.[3] وتقول بأن المأمون كان يفكر في طبقة النخبة من العلماء والمفكرين، وبرئاسته، لتحديد المعتقدات الإسلامية.
النقاط المذكورة أعلاه مجتمعة تثبت أن المعتزلة لم يكونواهم المهيمنون خلال المحنة، كما هي عقيدة الدولة الرسمية. فإذا كانت المحنة لدى مأمون تعبر عن محاولتة لاثبات سيطرته على السلطة الدينية والقانونية على المدى الفقهي والثقافى، وخاصة التحدي لدى الظرف التقليدية والتقليدي ين.
المراتب الدينية والسياسية في الإسلام التقليدي
ومن المهم أن نلاحظ أنه في الإسلام الكلاسيكي، كان من الأفراد العاديين وليس الخلافة الذي اضطلع بمهمة تطوير مختلف العلوم الإسلامية بما في ذلك القانون. وهذا هو، في القانون، على عكس ما يحدث في الدول القومية الحديثة، وليس حكرا على الدولة. في الواقع، فقهاء وضعت في المعارضة واعية لهذه الدولة (على سبيل المثال، وجاكسون، 2002). في وقت مبكر من يوم، كان هناك النظام الديني في الإسلام الكلاسيكي الذي كان متميزا عن النظام السياسي. شبه حكم ذاتي للعلماء أسفرت عن ظاهرة مثيرة للاهتمام لظهور مختلفة، وبشأن بعض القضايا، على طرفي نقيض مدارس الفقه -- وكلها تعتبر صحيحة شرعا وأصيلة. في المحنة، في هذا السياق، يعبر عن الخليفة الإحباط مع ثقافة قوية وذات نفوذ معنوي. واستمر حوالى خمس عشرة سنة، وبعد ذلك المجالات للسلطة في كل من الأوامر الدينية والسياسية أصبحت أكثر معرفة تعريفا جيدا. هذا لا يعني أن المواجهة كانت السمة المميزة للعلاقة بين كل من أوامر. العلاقة كانت أكثر دقة والمشاركة وليس المواجهة فحسب، بل أيضا التعاون. بصفة عامة، والنظام الديني وقفت حاجزا بين النظام السياسي والناس العاديين.
أخ welathassam
زبطلك كلمة القرأن
بعدين أكتب المحنه
تقبل مروري أذا أزعجناك
النار تحرق وتضيء؛ فأين هو الحد الفاصل بين اللهب والضياء؟