كيف يبوح صمتك أيها الوجود...

لا يوجد ردود
User offline. Last seen 7 سنة 39 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 28/02/2011

قرّرت في إحدى الأمسيات الدخول في خلوة من الخلوات وأهيم في جلوة تكشف لي أسرار الحياة، وأن أوجّه رسائلي، مشاعري، أسئلتي، أجوبتي، أفراحي وأحزاني وشكوكي وأضعف إيماني للوجود، واضعاً بين يديه حاضري وما لم يأتِ بعد وما قد أتى وفات.
 
كيف يبوح صمتك أيها الوجود بأعذب المعاني التي يفوق استشعار الإنسان لعذب عزفها على أوتار الروح، أي كلمة في قاموس أو لغة من اللغات؟
أجابني الوجود بأنه يبوح بصدى صمته داخل كل قلب وفي كل وقت، لكن السؤال ليس كيف أبوح بل هل من سامعٍ سميع؟ هل من حاضر يحيا الحضرة فيُصغي لصدى لن يصله سوى عبر الصمت ليَصِله بصمتٍ أعمق من الصمت؟
لا يتكلم الوجود أي لا يستخدم الكلام، لذلك أتاني إحساس البوح بصدى الصمت... الوجود يتواصل معنا بتجارب وأحاسيس وأحوال مقامها أرفع شأناً من الكلام. فالتواصل إحساس والإحساس لغة الروح.
لماذا نستهين دائماً بأحاسيسنا؟
لماذا درّبونا على تجاهل أصوات مشاعرنا ونداء قلوبنا؟
فمتى أردنا معرفة صدق خطوتنا وصحّة حالتنا فلنستشِر أحاسيسنا داخل ألباب قلوبنا، فوحدها تعرف وِجهتنا وإلى أيّ جهة نفرد أشرعتنا لتُبحِر بنا سُفُننا وتصل بنا لمستقرّنا
 
لكني لا أفهم أيها الوجود... فما دام تواصلك ووصلك وتجلّي سرّك لحكمائك وأنبيائك والصادقين ممّن يمشون على درب النور، قد تجلّى عبر التجارب والأحاسيس التي تنبُت في رياض نفْسٍ مطمئنة خلعَت عنها لقب نفْسٍ وهجَرَت حتى نفسها، فلماذا تحوّلت التجارب والأحوال التجاوزية والمقامات العلوية التي يحيا فيها صاحبها على جبال الروح، تحوّلَت كلاماً ولغة حين تم توجيهها لعقول البشر على مرّ الزمان؟ لماذا؟ فقد غابت عن الكلمة تجربة صاحبها وحضرة من أحياه وأحياها... لماذا؟ فاللغة عُرضة لسوء تفسير ودلالاتها قد تتحوّل محوراً للتحوير فيغيب عن القلوب فحواها وتثبُت في العقول معانٍ لم يكن قائل الكلمات قد عناها. لماذا؟ والكلمات مجرد رموز وإشارات وليس بينها وبين الحقيقة صلة أو نقطة لقاء.
أجابني الوجود بأن الناس تحيا على مقامات... مقامات وجودية لا علاقة لها بتفاهة المقامات الإجتماعية التي أنشأتها حماقة الإنسان بالذات. من المقام الأول للمقام السابع كلٌّ له حال من الأحوال وله تجربته التي تناسب حاله ومستوى فهمه للحقّ والجمال. من المقام الأول للسابع تحيا العقول درجات. منها من تساعدها الكلمات على حمْل مفتاح تفتح به باب أسرار معبد الحياة. ومنها من اعتلَت حال الكلمات ودخلَت عالم التجارب التي ترتقي عن اللغات... ومنها من تحيا في حال وسط بين الكلمات والإختبارات، فهي بالمشاعر والأحاسيس تفهم الحياة، والأحاسيس للوجود هي لغة أصدق من الكلمات.
 
 
وكان للوجود عتب صغير...
عتب الوجود أننا سمحنا لعقولنا بأن تُمسِك كلمة الله دون فهم وعلم، فنسَت تجربة الله، أو التجربة الإلهية الروحية. وما الكلمة سوى إشارة أرادتْكَ أن تتوجه نحو التجربة والإختبار، لكنك ظنَنْتَ الإشارة نفسها اختبار فقرّرت أن يكون لك فيها استقرار.
عتب الوجود أننا عبدنا النصوص والكلمات وهجَرنا معبد التجربة التي تحلّق بنا فوق سماوات، إلى حدّ أننا وإن اختبرنا بأنفسنا وجرّبنا، ما صدّقنا التجربة ورفضْنا الإختبار إذا ما وجدنا بينها وبين ما سمعناه عن الله وما تمّ تعليمنا إياه عن الله، إختلاف. نهر ثقتنا بأنفسنا وقداسة تجاربنا على أنها هبة من الوجود لنا، قد أصابه الجفاف.
عتب الوجود أننا سمحنا لأنفسنا أن نحيا بين شتات وانقسامات وتعدُّد الكتابات والتفسيرات والشروحات، حتى أصاب قدرتنا على معرفة الحقيقة خلل واضطرابات.
غير أن قدرتنا لمعرفة الحق لن تتركنا وترحل مهما حدث... وأياً كان ما حدث، فلازال الميزان داخل الإنسان يميّز به ويزن فيه حتى يُميّز بين ما هو من الله وبين ما هو من أفكار الإنسان. أي فكرة فيها قمة النعمة والراحة في واحة ضمير واعي حيّ، هي من الوجود هدية لك... هذا هو الميزان. أي كلام يناغم قلبك ويمدّ اواصر الوِدّ مع وجدانك فيحملك ويرحل بك بعيداً لعوالم تشعر فيها بروحك تنسلّ من جسدك لشدّة سعادتك وغبطتك، هو من الوجود هدية لك... هذا هو الميزان. وأيّ إحساس يخالجك ويداعبك ومن جوهر الرحمة والمحبة وعشق كل شيء يقترب بك والشعور برغبة في احتضان كل شيء ببراءة وامتنان، هو من الوجود هدية لك... هذا هو الميزان.
ثم أسَرّ لي الوجود بأننا كأمة قد وصلنا إلى هذا الحال، نحيا حياة الجُهّال في صحراء لا وجود فيها لمعالِم الجمال، لأننا عبدنا النصوص والكلام دون اختبار لأي مقام، وتبِعنا من يتاجر بذات الكلام... لأننا أنكرنا تجربتنا وإحساسنا... أنكرنا هديّة الوجود لنا، ولم نضع في الحسبان أن سبب عيشنا أحزاننا وأفراحنا، هنائنا وشقائنا، وعودتنا للأرض مرة بعد مرة، جميعها لأننا لم نحيا تجربتنا التي أتى بنا الوجود لنحياها ها هنا فهي سبب وجودنا.
لكن الوجود صبور... الصبور من أسماء الله
الأبدية زمانه ولابدّ لنا من تعلُّم الدرس وعيش التجربة في يوم ما من أبدية الوجود.
لن يجبرنا على اختبار حالنا واعتلاء مقاماتنا لنحيا تجاربنا، فقد منَحَنا الإرادة الحرة في أن نكون من نشاء، وحريّة إرادة الإنسان هي رمز لوعيه الكوني الكامن فيه والذي بالتجربة وحدها سنعرف كيف نُحْييه.
 
لكن كيف لي أن أعرف أن تجربتي رسالة منك يا الله وإشارات وكرامات، وليست تخيّلات؟
إنتابني إحساس مقدس بعد سؤالي بلحظات... إحساس باح لي بأن ما الفرق؟ أليس أسهل على الوجود أن يبثّ رسائله عبر المخيّلة الإبداعية فتكون للباحث إشارات؟ إحساس بأني سأعلم حين تكون مخيلتي ومفاهيمي وكلماتي النابعة من قلبي، آتية من الوجود وأنا الناي تعبُر من خلالي. سأعلم لأن إحساس من الوجود سينتابني لن يضاهيه إحساس وعند زيارته لي ستكون طاقتي مشعّة بالنور راغبة في احتضان كل الناس. سأعلم لأن كلمات من بين شفتيّ آتية من الوجود لن يكون لمثل صراحتها ووضوحها في قول الحق والحكمة، من مثيل.
 
لكنهم علّمونا أن الوجود لا يتواصل سوى مع أفراد مميزين خاصين، وفي أوقات مميزة خاصة...
همس لي الوجود بأن كل الأفراد مميزين، وكل الأوقات ذهبية فلا وقت من ذهب ووقت من طين. ليس عند الوجود شخص أعلى وآخر أدنى، وشخص أقرب وآخر أبعد. ليس لدى الوجود وقت يكون فيه قريب ووقت يكون فيه بعيد. العديد من الناس اختاروا أن يؤمنوا بأن الله لا يُسِرّ برسائله وبشائره سوى لأشخاص مميزين وبطرق مميزة يحبون تسميتها بالمعجزات، وهذا ما سمح للبشرية بالتخلي عن المسؤولية في سماع رسالة الوجود لكل فردٍ على حدة... كل فرد له رسالته وطريقته وتجربته ودوره. هذا ما سمح للبشرية بالتخلي عن دورها الذي أتت لأجله هنا على الأرض، فأغلقت في وجه العلم الإلهي أبوابها وغرقَت في سواقي موحلة ألقاها فيها سفهائها. أقنعوهم بأن لا داعي لهم بل ولا سبيل لهم ليسمعوا رسالة الله لهم، فمن هُم حتى يسمعوا؟ فلا يقلقوا لأن أحد غيرهم قد سمع عنهم، فانتهت أدوارهم قبل أن تبدأ وها هُم يعيشون كالجيفة لتأكل وتشرب وتتناسل، لكن أرواحهم خامدة لم يعرفوها بعد ولم تذق ويذوقوا معها معنى الله، معنى الحياة.
 
 
ولماذا كان الهروب من تحمُّل هكذا مسؤولية كونية، أيها الوجود؟
أجابني الصمت المقدس المهيب من حولي بأنك إن تلقّيتَ رسائلي بنفسك لنفسك حتى تبدأ بها رحلتك، فعندها تكون مسؤولاً عن شرحها وعيشها وتفسيرها وحدك، فتجربتك لا يمكن أن تنقلها أو تستعين على شرحها مع أحد غيرك. لقد كان الهروب سهلاً لأن شروحات الآخرين تبدو أكثر أمناً حتى ولو كانت شروحات قديمة في سياقات قديمة لأناس لا تعرفهم ولم تلتقي بهم قد عاشوا منذ آلاف السنين.
 
لماذا إذاً تلقى الأنبياء والحكماء والمستنيرون تواصلاً واتصالاً دائماً وأبداً، أيها الوجود؟
أجابني إحساس له سحر راقي ونبيل في مساراتي، فأفهمني بأنهم لطالما رغبوا بالإستماع لرسائل الوجود. لطالما بحثوا عن دورهم هنا ورسالتهم حتى ولو كان الثمن غربتهم ووحدتهم وإدانتهم. إنهم عشاق الحق... إنه العشق الحقيقي.
 
حتى ولو كان الثمن إدانتهم؟ لماذا يدين المجتمع ويرجم الصادق صاحب الطريق؟
إحساس روحي هو بعيد عن كل إنفعال اجتماعي هو، أجابني بأن صاحب الطريق سيعلم أنه بدأ بتلقي الرسالة حين يجد رسائله ونواياه ومقاماته وحاله وأحواله ترتقي به وترفعه فوق ما يحويه المجتمع من تفاهات وسخافات... وحينها ستكون الإدانة منهم أسهل طريق لأنه يهدم أحلامهم وأوهامهم وسطحية اللذات. فمن ذا الذي سيحتاج رسالة من الله ورحلة على درب الروح لو كان للمجتمع وزن نوراني في ميزان الأكوان؟ أنظر أنت وإخوانك إلى العالم الذي تعيشون فيه... مرض وحرب وعنف وظلم... هذه أفعالكم ونواياكم وأحلامكم وأوهامكم ولذّاتكم. لا قيمة للمجتمع وقيمه الزائفة في ميزان الأكوان... أنتم لم تصغوا للوجود منذ قرون، وانظروا كيف تحصدون ما زرعتم. أنتم تفتقدون شيء أساسي وجوهري حتماً. لديكم التكنولوجيا والمظاهر والالقاب والمناصب... لديكم كل ما يُسمى كماليات أي ألعاب وأوهام ولهو في ميزان الوجود، لكنكم فقدتم الضروريات... فقدتم أهم وأغلى الأشياء... ولابدّ للمجتمع من رجم وإدانة وصلب الصادق صاحب الطريق، فالصادق ليس له صديق وطوبى للغرباء.
لماذا لا تسألوا أنفسكم بصدق، ماذا لو كان كل ما اعتقدناه وعرفناه وألفناه على أنه الصح هو الخطأ يرتدي رداء الصح ويتخفّى به؟ كل عالم يعرف هذه الحقيقة وهذا الحق، والتدين هو علم النفس الداخلية وصاحب الرحلة الداخلية هو أيضاً عالِم من العلماء.
هذا ما عليكم فعله... لن تتمكنوا من معرفة من هو الله إلا إن توقفتم عن ادعاء معرفتكم المسبقة له. لن تتمكنوا من سماع صدى صمت الله إلا إن توقفتم عن ادعاء سماعكم المسبق له. فالله لن يخبركم بحقيقته إلا إن توقفتم أنتم عن إخباره بنسخة الحقيقة التي في عقولكم وأذهانكم.
 
لكن أليس فهم حقيقة الله بتجربة تأتينا من العلماء والفقهاء والكهنة وكل هؤلاء؟
من أخبرك بهذا؟
آخرون...
مَن؟
السياسيون ورجال الدين والكهنة والكتب والنصوص الدينية!
لكن السلطة ليست في أيديهم حتى يخبروكم بهذا...
ليست في أيديهم؟
لا....
إذاً ماذا؟
إستفتِ قلبك ولو أفتوك. إستمع لأحاسيسك العميقة النابعة من لب القلب وأنت في حال السلام والصمت. إستمع لروحانية وشفافية تجربتك. فإن اختلف ما اختبرتَه وما نهلْتَه من شفافية الإحساس وروعة التجربة ورقيّها الذي لا يُقاس، فلْتَنسَ ما أخبروك إياه وما قرأتَه من كلمات. فالكلمات هي آخر مرجع بإمكانك الإعتماد عليه لفهم حقيقة الله والوجود.
 
لكن أيها الوجود... ما سرّك؟ لماذا كل هذه الرموز والتشبيهات والإستعارات والكنايات والدلالات؟ أليس من الأسهل أن تتجلى أنوارك لنا وبنا فنفهم ونعي ونمحي جهلنا؟
 
تجلى بداخلي إحساس خاطبني وقال بأن الوجود قد تجلى لنا مراراً وتكراراً، وهو الآن يتجلى لنا وهنا.
 
ماذا تعني أيها الوجود؟
إن الله الآن وهنا في كل مكان... أينما نظرتم وكيفما شعرتم فلاشيء سوى الله حولكم وفوقكم وتحتكم وبكم. إنها أسرار التجسدات... الظاهر الذي يقودكم لفهم الباطن... فالله لا شكل له ولا حجم، الله لا يستوعب حقيقته عقل. ورغم أن الله لم يتجسد في شكل معين يعلن من خلاله أنه الله، إلا أن الناس تؤمن بشكلٍ رسمَته ووضعَته في أذهانها عن الله... الناس لا تبوح لبعضها بفكرتها عن الله، لكن في خلوتها مع أفكارها فكلّ لديه فكرة أو شكل يرى من خلاله الله وهذا سبب الغفوة. غفوتكم في الأذهان وعدم ارتقائكم لمستوى الروح حيث لا شكل ولا تصوُّر ولا عنوان للرحمن، حتى الرحمن وكل الأسماء ليست سوى تجسدات ومحاولات ترشدكم لمن لا يعرِّف عنه إسم من الأسماء. الله هو الأعظم الذي لا يُرى... وما ترونه من تجسدات هو أيضاً ما ظهر وتجسد من الله... نعم هي حيرة للعقل فلا تفكر بهذا فكيف للفكر التفكير في ما ارتقى وتجلّى وسمى عن أي محتوى وفكرة وشيء؟ الفكر يفكر في الأشياء، فكيف للفكر أن يفكر في الفراغ؟ والفراغ هنا يعني الصفاء لا العدم فاحذروا الكلمات... صفاء هو أقرب إلى اللاشيء، ومجدداً احذروا الكلمات، فالاشيء لا تعني العدم، بل فناء الأشياء، والأشياء ماديات، حضور حضرة أبعد من الأبعاد. بإمكانكم أن تقولوا عبارة لن يفهمها العقل لكنها ستلامس الروح: الله هو ما ليس بهُو، فحضرته تنبع من وجوده في كل شيء، والعودة له تكون بمعرفة واكتشاف أنه فناء اللاشيء وغياب كل شيء.
حقيقة الأمر هي، كيف للألوهية أن تُظهر ما خفي منها للألوهية التي تجسّدت وظهرَت منها؟ فكيف للشاهِد أن يشهد على نفسه؟ كيف للمراقب أن يراقب نفسه؟ وكيف للناظر أن يُناظر نفسه؟ فحتى تشهد على شيء، وحتى تراقب شيء فلا بدّ من وجود فصل بينك وبين هذا الشيء... لكن الألوهية ما خفي منها وما تجسّد هي ذات أحدية واحدة، هي وحدانية اللاشيء، فكيف لجزء منها أن يرى جزء؟ لذا كان الطريق الوحيد هو التجربة الداخلية لمعرفة هذا السرّ... الرحلة داخلية. وما لم تمشوا رحلتكم بأنفسكم فلن تنتهي عن الله أسئلتكم، فحين يحين موعد التجربة الداخلية والتجلي ستعلمون، وعندما تعلمون من الذي سيسأل فقد أصبحتم تعرفون.
 
أيها الوجود... هل تعني أن سؤالك عن شيء أو أن طلب شيء منك هو تعبير عن حال جهلنا بما نسأل عنه ونطلبه؟
هذا سؤال سئله الكثيرون عبر العصور... لكنه سؤال عميق وإجابته صادمة لمن لايزالون يحيون في عوالم الأوهام والطلبات والأحلام... إختلفت الإجابات بحسب السائل الذي يسأل السؤال في أي مقام هو وأي حال. لكن ما دامَت خلوتك الآن وهنا تنشد حقيقة كونية على درب رحلة روحية، فالإجابة هي أن لا أحد يحصل على ما يريد ويسأل... ليس معنى هذا أن لا يطلب من الله ما يريد... لكن هناك سرّ خفيَ فهمه على الجميع فلم يعلموا أسرار الدعاء... أن توقِن بالإجابة هو من الأولويات قبل أي طلب أو دعاء... كُن على علم ودراية بأن ما تطلبه أصلاً موجود فيك كبذرة تنتظر أن تُزهر... وهذا كلام يخصّ طلب البحث عن الحقيقة الكونية والذات الإلهية، فليس جميل أن يطلب الإنسان من الله ثراءً فاحشاً ومركزاً ومنصباً فهذا طمع وجهل شديد وهوّة تفصل بين الإنسان وبين فناء نفسه والعودة إلى أصله. وستعلمون أنه وفي مقام وحال أعلى فحتى طلب البحث عن الحقيقة الروحية ودرب النور سيتوقف ويصل إلى نهاية، لأنه ومن على جبال هذا الحال ستفنون، ويفنى الطمع الروحي كما فنيَ الطمع الدنيوي... عندها فقط رضى وتسليم لمشيئة العليم... عندها أنت لست موجود فمن سيسأل؟ لكن من على حال بداية البحث على درب النور، فحين تسأل فلتكن بالإجابة موقناً، بأن ما تسأله بذرة فيك وما سؤالك سوى تأكيد وتوكيد لأجل بثّ ذبذبات تنشر طاقة ثقتك ببذرتك من حولك... فلا تسأل وقلبك ليس في سؤالك وطلبك، بل وروحك ونقائك وصفائك وطهارتك... لا تسأل الله وكأنك تسأل غريب تصادفه لأول مرة، بل اسأل وأنت تعلم أن سؤالك يفتح داخل القلب بابك لتدخل حديقتك وتحرث تربتك وتنمو بذرتك، أي بذرة ما سألته، الكامنة بداخلك، وستعلم عندها أسرار أن الله قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه... لن يتحقق شيء طالما أنت متأكد في قرارة نفسك بأن طلبك قد يتحقق وقد لا يتحقق، فمجرد طلبك أبعدك عن إحساس أنك تملك ما تطلبه وما تسأل عنه مسبقاً... انت فقط لم تبحث عنه أصلاً... الوجود وضعه بداخلك وبدلاً من البحث تطلب وتسأل وتجهل.
ومن على جبال حال من أراد أن يرتقي بمقاماته ويخطو نحو الحقيقة الروحية كامل خطواته، فالصلاة الحقيقية تتحوّل من طلبات إلى شكر وامتنان... أنت تتأمل وتختبر وتكتشف وتحيا أسرار النعمة بداخلك، ولا يعود بوسعك سوى أن تشكر الله على ما آتاك. حين تعلم ستستحي أن تطلب منه حتى ولن يكون بمقدورك سوى الشكر والإمتنان له على ما منحك ووهبك من وعي كوني يسع الأرض والسماء. لكنك لا تعلم ما حواه داخلك لأنك ترفض التجربة والإختبار... لذا يجهل الكثيرون نعمة وصفاء هذا الحال... وحتى ولو لم تختبر كثير من حقائق نفسك وقدراتك الكامنة في نورك، فحمدك الله عليها وعلى نور وطاقة ونعمة روحية تريد أن تتعرف عليها، هو بالنسبة للوجود تأكيد ذبذبي على اعترافك بها وتوكيد لها بأن تصحو وتبدأ بالتواصل معك... بالشكر تدوم النعم وهكذا كلما شكرت على نعمة ما ستقويها وتُبقيها وتحميها، وكلما شكرت على نعمة تشعر أنها فيك لكنها لم تتحرك بعد، فسوف تصحيها.
لكن احذروا من سوء فهم شديد، فالعديد من البشر في أمتكم قد اتخذوا الله أداة لتحقيق آمالهم وتوقّعاتهم، وهذا مشين
لا تبدؤوا باستعمال الشكر والإمتنان والصلاة كوسيلة لضمان أن الله بهذه الطريقة سيقدم لنا ما نريده طالما نحن نشكره ومن الحمد نزيده... إحذروا التلاعب فلستم في سوق أعمال وأموال، لستم مع الغش والدعارة بل مع فناء النفس والطهارة... إرموا مواقفكم وأساليبكم السياسية الإنتهازية الإستغلالية التي تستعملونها حتى مع الله نفسه. فما صلاة وإيمان أغلبكم سوى ستار يخفي تحته طمعكم ورغباتكم ومخاوفكم وجشعكم، فواجهوا أنفسكم ولا تتهاونوا. الله يعلم نواياكم أكثر مما تعرفوها أنتم، فواجهوا أنفسكم لأن نوايا الإنسان هي التي تنعكس عليه تجارب يحياها ويختبرها...
 
لكن كيف لي أن أكون ممتناً لشيء موجود بداخلي كبذرة لم تنمو ولم تصحو بعد؟
الإيمان... أي ثقتك بالوجود، بالله... ثقتك بمن أرسلك إلى الأرض وأراد لك تجربة روحية بإمكانها تحريك الجبال حتى وإن كانت مقدار بذرة صغيرة.
 
لكن طالما أنك أيها الوجود تعلم النوايا وتحوّلها تجارب يختبرها كل إنسان حسب نيّته، لماذا إذاً يقول البعض أن صلواتهم لا تتحقق؟
سرّ مهم عليكم أن تعرفوه. ما تتفوهوا به وتضمروه في أحيان كثيرة هو عبارة عن أفكار خلف أفكار خلف أفكار... أقنعة وأقنعة من الأفكار، والنية الحقيقية تكون مختبئة خلف هذا الستار. النيّة الحقيقية هي الدافع الحقيقي خلف ما تختبروه من تجارب... كثيرون يقولون تمنّينا أن يحدث هذا وكيف حدث هذا وقد رجونا الله وطلبنا وسألنا أن يحدث كذا وكذا... لكنكم لا تعلمون كيف على نواياكم تتعرفون... لم تدخلوا تأمل ولا صمت ولا صفاء ولا سكينة تواجهوا بها أنفسكم وتعروا ما بداخلكم حتى تلتقوا وجهاً لوجه مع نواياكم... أنتم لازلتم تائهون تسيرون بين الأفكار وتهوون وتقفزون من فكرة إلى أخرى... تأتيكم أفكار كثيرة فتبدؤون بسرد طلباتكم وتتوجهون لله ظناً منكم أنه توجه خالص بينما أفكاركم تعمل على خيانتكم ودفعكم للدعاء أو الصلاة لأجل مصلحتكم ومنفعتكم وليس لوجه الله أصلكم ومصدركم... والنية الحقيقية مخفية خلف كل هذا، نواياكم تظل هي من تحرّككم وتمنحكم تجارب على قدر نيّتكم لا ما تطلبونه وتسألونه من شلالات أفكاركم...
والنية الحقيقية التي عليكم اللقاء بها والعمل على بلورتها حين مواجهتها هي الثقة بالله، بالوجود... الثقة بألوهية وأنوار تحييكم وتحيط بكم بلا حدود... كثير من الأطباء عجزوا عن شفاء مرضاهم، والشفاء كان مستحيلاً لهم، لكنه تحقق وأصبح معجزتهم. من أين أتى يا ترى؟ من نيتهم، من ثقتهم في أعماقهم. لكن هكذا بشر يا لندرتهم. عندها لن تسردوا على الله لائحة بالطلبات، فالله ليس شخصاً ينتقي صلاة هذا وصلاة هذا، ثم يقول سأجيب هذا بنعم وهذا طلباته غير مجابة، وهذا ربما نعم وربما لا... بل ستعلمون بالحدس أن العالم الأكبر مطوي بداخلكم وما عليكم سوى التحلي بإيمان يعني ثقة بمصدر العالم الأكبر ومصدركم فهو حقيقتكم. عندها تتحوّل صلواتكم داخل نواياكم مجرد شكر لله، أي لوجه الله لا طلباً لمنفعة أو نجاة من جحيم أو انغماس في نعيم. هذه هي الروحانية الحقيقية.