حضورك الواهم أوغيابك الخاشع...

لا يوجد ردود
User offline. Last seen 7 سنة 39 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 28/02/2011

ماذا في الكلمات سوى حروف ودلالات؟ دلالات تشير للمعاني الحيّة في القلوب النابضة المفعمة بالحياة. كلمة الله ليست بالله وكلمة حب ليست بالحب وكلمة نار ليست بالنار. لنهجر الفكر ونعطيه راحة، لنهجر غابة مليئة بأشواك الكلمات وحروفها، إلى حديقة تملأها أزهار المعاني ويفوح منها عبير العبرة فتُعلن الكلمة غيابها وخسوفها. الكلمات رموز وإشارات، إستخدِمها ولا تتعلق بها، أعبر جسرها ولا تبني بيتاً عليها. بإمكانك نسيان الكلمة إن تذكّرت المعنى، فلا تنسى الكلمة وأنت تجهل المعنى فهذه هفوة وغفوة أنت المسؤول عنها. ما حدث أننا استعملنا اللغة بإتقان، أصابنا الهوس باللغة فنَسينا أنها قناع يحجب الحقيقة عن قلب الإنسان...

حدث ذات يوم أن طلب صديق من صديقه أن يأتي له برجل دين يزوره وهو في مرضه على فراش موته ليهدأ قلبه. أتاه الصديق برجل الدين ليجلي عنه الظنون ويفرّج عنه الهموم، فتفوّه المريض بكلام غير موزون. غضب رجل الدين وهمّ بمغادرة المكان فطلب منه الصديق أن يسامح صديقه المريض فهو لم يقصد الإساءة ولكنه في حال معاناة وهوان... أبى الرجل أن يسامح وذهب وغادر المكان... منذ ذلك اليوم شعر الصديق بأن لا رحمة ولا غفران، بأن لا حاجة لرجل دين وقرر أن يبحث وحده عن الله... أمر واحد لم يكن في الحسبان، هو الآن يشعر برفضه لرجل الدين ورفْض لله في ذات الحين فحزن لما أتاه فهذا عكس ما أراده وتمنّاه...
مسؤولية هذا الصديق هي أنه ضلّ الطريق وحسِب دون أن يدري أن الله عدوّ وليس صديق مثله مثل رجل الدين الذي زار صديقه المريض. إنها هفوة وغفوة فالرجل هو من رفض مساعدة صديقه ليس الله فالله من كل إنسان قريب...
أن يتحاشى هذا الصديق رجال الدين ليس بالأمر المريب والغريب، في الواقع كلما ابتعد الإنسان عنهم كلما اقترب من الله فيه وبداخله أكثر فلا حاجة لمن يهديك الصراط المستقيم وهو لم يهتدِ بعد، سيكون الأمر مجرد كلام وفلسفات ونظريات وعودة لغابات ملأتها الأشواك. رجل الدين يفعل العكس فيحاول رسم صورة معتمة وطريقاً مجهولاً إذا قررت أن تسلك درب الله وحدك وحيداً دون شريك أو رفيق... يرسم صورة معتمة ونهاية مجهولة حتى تشعر بالخوف وثقل الحمولة فتحتاج لمن يرميها عن كتفيْك وترى بعينيه لا بعينيْك وتسمع بأذنيه لا بأذنيْك. إنّ رسْم هذه الصورة هو عمله وفيه تجارته وربحه وإلا... فلا وسيط وهل من قرابة هي أقرب من حبل الوريد؟ نعم فالله أقرب... إذاً لمَ تحتاج لوسيط؟
جميل أن تكون هذه الحكاية بداية يبدأ بها هذا الصديق رحلته دون حاجة لدُعاة الحق والفضيلة، دون حاجة لتعاليمهم وبضاعتهم الماورائية التي يتاجرون بها... لكن الحكاية أصبحت بداية لفقدان الهداية وها هو يقاوم كلمة الله لأنه لا يراها ولا يفهمها بمعزل عن رجل الدين، ومن قال أن رجل الدين فهمَها ورآها وحواها؟ ليس لله دخل بما فعله ذلك الرجل فالله جميل ودود وبينه وبين عباده تتلاشى الحدود ومن عرف هذا بدأ ينساب مع تيار الوجود نحو الأبدية والخلود. ذلك الرجل أدار ظهره وهذا ذنبه، وهذا لا يعني أن جميع رجال الدين مثله. لكن الله... الله لم يدر ظهره لأحد منذ بداية الزمان، لم يردّ ولم يخذل إنسان...
في الواقع لا بُدّ وأن الله اقترب من هذا المريض على فراش الموت أكثر، فبرحيل رجل الدين أصبحت المساحة للتواصل مع الله أكبر. فما الحكاية؟
الحكاية أن هذا الصديق اختار أن يمشي الطريق بعيداً عن أعلى رفيق، الرفيق الأعلى... وهذا حالنا جميعاً. شفاهنا تقول أنها بالله ترغب وبالدنيا تزهَد، أنها تريد الله وتبحث عنه لكن قلوبنا تنبض بعكس هذا الكلام، تنبض بأننا لا تزال نخشى الله ولا نريد لقائه... أنه لا زال عندنا أحلام وآمال وأوهام لم نشبع من ملاحقتها بعد.
ومن هنا تولد الأعذار كما وُلِدت حكاية صديقنا الذي ابتعد عن الله بسبب رجل دين. ليس هذا هو السبب ولكن أعذارنا تدعو للعجب... للدهشة لأنها جزء من لعبة الأنا والعقل من جديد للإبتعاد عن الله وكل ما هو قيّم ومفيد. أنا وأنت السبب في بُعدنا عن الله، وحكاياتنا أعذار توهّمناها، وقصص ألّفناها وألِفْناها حتى نظل في العتمة ولا نرى النور أبداً. ولكن ما هذه المقاومة الموجودة داخلي وداخلك وداخلنا في وجه معرفة الله؟
السبب بسيط... وجودي ووجودك ووجودنا هو العائق الوحيد في وجه معرفة الله... وكيف لنا أن نواجه الله ونحن لا نزال نرتدي نعالنا ولم نخلعها بعد؟ أين سنجد الله ونحن لانزال نبحث عن أحلامنا ونجري خلف طموحاتنا وننتظر أن تتحقق توقعاتنا وأن تزيد في البنوك أموالنا؟ السبب بسيط...
آمالنا وأحلامنا وتوقعاتنا ترسم في المجتمع هويتنا وشخصيتنا وبدونها نحن لا شيء، بدونها لا نعرف وجوهنا، بدونها من أنا ومن أنت؟ سُلبنا هويتنا وانتمائنا وقوميتنا وأسمائنا وألقابنا فمَن نحن بدونها وأين نحن؟ سأقول لك من نحن بدونها وأين نحن...
بدونها نحن أنا وأنت دون تعليب، دون أكاذيب... بدونها أنا أنت وأنت أنا فلا أحد في هذه الدنيا غريب... بدونها نحن لا أحد وفقط حين نكون لا أحد سنعرف من هو الواحد الأحد... هذا هو معنى الخشوع والإسلام والإنمساح بالله...
 
وحده هذا الحال، هذا التوجّه خاشعاً بعد أن انحنت وتنحّت أحلامك ورغباتك وطموحاتك فأفرغْت منها كأسك فاسحاً المجال لذاتك حتى تسمع الله يقرع بابك، هو السبيل لفنائك حتى تلقى الله أو حتى تفهم أن لا وجود إلا لله فحتى اللقاء الموعود فيه غيابك وحضور الله الودود... إما حضورك وغياب الله أو غيابك وحضور الله فماذا تختار؟ حضورك الواهم؟ أو غيابك الخاشع؟ الأمر سهل وبسيط ولكنه لمجتمعاتنا وفلسفاتنا وثقافاتنا وسياساتنا خطير ووَقْعَه على النفوس مرير.