وحده الله هو الوجود...

لا يوجد ردود
User offline. Last seen 7 سنة 39 اسبوع ago. Offline
مشترك منذ تاريخ: 28/02/2011

بدل الإنسان عنوانه فسَكَن أرضاً بدلاً من سماء
بدل الإنسان عنوانه فنسى درباً قديماً منيراً مشى عليه حين كان مستنيراً فما عاد للذكرى وفاء
مات أهل الدنيا وهم أحياء
كيف مات الإنسان..
كيف أضحى يفتح عينيه فيمسي ولا يرى سوى ظلام.. وينطق لسانه فلا يردد سوى كلام..

 
أحد أهم أسباب موت الإنسان هو رؤياه التي لبّدتها عقائد وشرائع كما تلبد الغيوم السماء
رؤيا ترى ما تراه العقيدة والشريعة فتظن الله شخصاً يسكن بعيداً في أعالي السماء
ومجرد التفكير بالله شخصاً هو زيف وزور وحال يجرّ معه سيلاً من الأخطاء والعناء
مجرد التفكير بالله شخصاً يتحكم ويخطط ويغضب ويرضى.. نزل بالإنسان من العلاء إلى وادي التعساء
 
لكن أشواك العقل تخنق أزهار الروح فتسرق منها الهواء.. وتغشي مشهداً كان مفترضاً أن يشهد عليه الإنسان ويراه
أشواك العقل ابتعدَت بالحقيقة الإلهية عن حقيقتها وخلعَت القلب عن كرسي رؤياه
إن العقل يهوى تصوير ما في الحياة بهيئة أشياء أو أشخاص وبغير هكذا تصور لا ينال في راحته المزيفة مبتغاه
وهو عاجز عن تخيل وتفكر وتدبر حقيقة أن الأشياء والأشخاص قد تكون تجسيداً لحي خفي لا حد لمداه
وما أن أخذَ الإنسان هدية عقله له فكرةً عن الله آمن بها.. حتى فشل في إثبات وجود الله كشخص وخاب مسعاه
 
بل وأفسَدَ حكمة الوجود بأن ظن الله شخصاً.. فإن كان شخص فما خطب الشر يزداد منذ زمنٍ بعيد
ظن الإنسان وضَعه في مأزق رهيب. ظنه استثار دواخله لتسأل في كتمان هل الله يريد الشر أم أن قصة وجوده كشخص أسطورة تأثيرها على البشرية كان شديد..
والحكمة تقول بأن الله الشخص هو فعلاً أسطورة سافرَت بالبشر على دربٍ ظلامه شديد
لم يقتنع عقل الإنسان للآن ولازال يهوى فكرة الله الشخص الكبير... شخص ما هو إلا إنعكاس مكبَّر لصورة الإنسان عن نفسه.. ومهما قال الإنسان فتلك فكرته عن الله.. فكرة يظنها رأياً سديد
 
وحكايا الزمان تشهد على وجود رجل وامرأة وشخص وشيء.. وتروي كيف خرجوا جميعاً يوماً ما من كتاب الحياة.. فلم يعد لحكاياهم مكان..
فرض على كل موجود أن يخرج في يومٍ موعود من الوجود
حقيقة واحدة يعيها متأمل هادىء مستكين ... هي أن الوجود نفسه لن يأتيه يوم يخرج فيه من الوجود
وفي عمق أعماق السر الدفين أنت عاجز.. عن إثبات الله بالكلام لأن الحقيقة لا إثبات لها بمنطقٍ كان يوماً غير موجود
إن كل ما لم يكن موجود ثم أصبح موجود ويوماً سيعود من جديد للعدم واللاوجود.. هو شيء له حدود
فحتى دفاعك بأن الله موجود هو ترحال بعيد عن المقاصد والغايات في لغة الوجود
 
جملتك صحيحة إن قلتَ بأن البيت موجود.. والشجرة موجودة والإنسان موجود لأنهم سيخرجون في وقت معلوم من الوجود أجمعين
لكنك غير مصيب ومن الحقيقة لست بقريب حين تستخدم حوار النفي والإثبات في كلامك عن الله، كلامك قارب حسَبته ذاهب بك إلى شاطىء الحقيقة أنت ومَن معك من السامعين
لكنك قاربك لم يذهب بك لشاطىء الحقيقة بل أخذك وتاه بك في مضيق الفلسفات والكلمات.. وقد ضلَلت باستخدامك تعبير (الله غير موجود.. أو الله موجود)... فالحقيقة لا هذا ولا ذاك
الحقيقة تتجاوز طرفي العقل فكن حذراً ولا تميل هنا وهناك
ليس باستطاعتك قول غير موجود أو موجود لأن الله هو الوجود فيه توجد الأشياء وإليه تخرج وتعود
الله خارج دائرة مَن يوجد ثم لا يعود له وجود
لغة عاجزة هي تلك التي تقول الله موجود.. لأن الحقيقة هي أن الله وجود... الله هو الوجود
 
تأتي الأشكال ثم ترحل ... تتغير الأشكال والأحداث وتتبدل ... وكل هذا يحدث على مسرح الوجود
لكن الوجود نفسه لم يأتي ولأنه لم يأتي فلن يرحل ولن يتغير ولن يتبدل.. فلا تقل غير موجود فهذا كلام باطل ولا تقل موجود لأن ما هو موجود الآن لم يكن له من قبل أي وجود.. فظهوره إلى الوجود دفعنا لنقول بأنه موجود
الله خلف الأشكال والأحداث والأسماء... الله هو الوجود
 
لكن الحقيقة لن تخدم مصالح المؤسسات والطوائف والشرائع الدينية
حقيقة أن الله هو الوجود هي حقيقة أبدية أزلية لأصحاب الإستنارة الكونية
لكن الحقيقة لن تخدم مصالح الإنسان ورغباته الطفولية
فإن كان الله هو الوجود فقد ضاع المعنى من الإنسان وضاعت أحلامه الوردية
كيف للإنسان أن يتصل ويتعامل مع كل الوجود.. مع هذه الكلية.. مع هذه الكونية..
فإن كان الله هو الشخص الكبير كما يحب عقل الإنسان تصويره فسوف يجد الإنسان وسيلة للتواصل مع شخصية إلهية
لكن كيف السبيل للتواصل مع الكونية.. مع الكلية..
 
كيف لك أن توجه رسائلك وأنت لا تعرف لها عنوان.. فهي في كل مكان
ماذا ستقول وماذا ستطلب وماذا ستفعل وأنت الآن لا تتحدث مع شخص لديه نفس انفعالاتك ورغباتك وغضبك وحالاتك على شكل مكبر.. ومن سيداوي آهاتك..
 
هذا الضعف البشري هو أول وأهم الأسباب التي جعلت حقيقة الله تغيب فظل الإنسان واقفاً خارج الباب
فحقيقة الله لا يمكن لها بين الناس أن تسود.. لن يقبلها عقل الإنسان وسيأخذها من عليتها ويضعها في سرداب
عقل الإنسان يفهم أمراً واحداً.. أن الله إن كان شخصاً حينها فقط بإمكاننا التواصل والدخول من هذا الباب
فبوجود شخصٍ يسمعه يصبح بإمكان العقل أن يحكي ويشكي ويدعو ويتواصل ويصبح هو والشخص كالأحباب
 
هكذا سهل العقل على نفسه الأمور.. ومع الإستسهال سلك الإنسان دروب الظلام
لكن الروح تريد اليوم أن تبوح أكثر من أي وقت مضى وتضَع لزيف العقل حداً فكفاه كلام
 
نضَج الإنسان في هذا العصر وبدأ بالبحث عن حقيقة مجردة عن أي مفهوم.. نضج الإنسان وهو على أعتاب عصر الدمار
نضج الإنسان بعد أن شاهد ظُلماً وعسراً وقتلاً وحرقاً واستبداداً وتحكماً وكبتاً.. فبدأ يعي زيف الشرائع التي تحاكيه وعجز أمانيه وفشل رجل الدين وحكاويه
نضج الإنسان وبدأ يسأل هل يكون الله قبل أي مكان حياً قائماً فيه..
هل يحتاج معرفة نفسه قبل ثقته بأحد ما خارجه ينتظره ليرضيه حتى يحقق له كل أمانيه..
 
لكن التغيير لن يكون سهلاً
لأجل أن يسلك الإنسان الدرب الجديد.. فالشرائع القديمة والمفاهيم العتيقة لن يكون لها في عقله مكان
في الحقيقة لن يكون عقله مكان لأي شيء بعد الآن
التأمل قاد كل نبي وحكيم للإستنارة لا الشرائع ولا العقائد ولا المفاهيم.. وها هو التأمل عائد ليوقظ البشر من ليل طال وطال ودمر الإنسان
التأمل لا يتطلب وجود شخص كبير في مكان ما خارجك
في التأمل وحدة ... أنت تبحث داخل نفسك وتبحث وتبحث حتى تختبر أن لا وجود لشيء إسمه نفسك
في التأمل أنت وحدك ... تبحث حتى تصل لأنك لست وحدك ولست نفسك فأنت موجود وقريباً لن تكون موجود ... أنت لست سوى تجسُّد للوجود ... في التأمل أنت تصل لفنائك وغيابك وزيف ذاتك لتعلم أن وحده واحد موجود
في التأمل لا توجه له الكلام لأن توجيه الكلام إن كنت غافلاً سيُقنعك بأن هناك حوار
والحوار يدور بين اثنين
ستظن أن لك وجود وأن الله له معك وجود
ظنك خطأ شديد
أنت لا وجود لك
وحده الله هو الوجود
تأملك فيه توحد مع وحدتك فتدخل أعمق وتسافر في كيانك أبعد حتى تصل مقام يضيع فيه إسمك وشخصك ولقبك وفهمك ونفسك فلا تجد لك وجوداً.. ولكنك تجد الوجود.. الله الحقيقي أي الوجود
التأمل لا يعرف لله مكان أو عنوان
التأمل رحلة تدخل بها نفسك حتى تكتشف ويتجلى لك بأنك كلما دخلت أعمق فأنت تدخل قلب الله وليس نفسك
وحين يتم اللقاء سوف يتم في صمت
هو حتى ليس باللقاء
فلا وجود لاثنين
أنت لا وجود لك أتذكر..
سيكون لقاء صامت لأن الآخر أو أنت ليس لك وجود ... كانت فكرة في عقلك والآن رحَلَت
الآن اكتشاف أن الوجود كان ولم يكن ولن يكون إلا لله ... أن الوجود هو الله