الجوهر الذي يتكون منه داخلك...
طرح العقل أسئلته حول التعرف على الله وحقيقته عبر كتب ومجلدات ومؤلفات... طرح العقل أسئلة مهد فيها وصور للبشر من خلالها أن بإمكان الطريق إلى الله أن يكون فكرياً تحليلياً. ونسى العقل في غفلة أسئلته وغفوة محاولته.. أنه لا يوجد طريق إلى الله ففكرة وجود طريق يؤدي إلى الله هي فكرة زائفة.. لأن الطريق يأخذك للجانب البعيد.. البعيد عنك.. الطريق يأخذك ويحملك من هذا إلى ذاك ومن هنا إلى هناك ومن الآن إلى الغد. لا حاجة لوجود أي طريق يوصلك إلى الله لأن الوجود في حضرة الله هو حال معناه حضورك هنا. الطريق والدرب هو مجرد إلهاء.. وكل الدروب هي إلهاء. إتبع أي درب وأي طريق وسوف تجد نفسك تتبع الدرب الخاطىء والطريق الزائف.. لأن الحقيقة الكونية بطبيعتها لا توجد لها دروب ولا طرقات... دَع هذا السر يغوص عميقاً ويسترخي في نهر عذب صافي داخل قلبك يجري.. لا توجد دروب صحيحة مصيبة.. وسلوكك أي درب من الدروب يعني أنك ضلَلت الطريق وها أنت تسير في اتجاه خاطىء عسير كان رأسك يعتقده يسير فيتعثر دون أن تدري المسير. سلوكك أي درب من الدروب يعني أنك تبتعد عن نفسك وتهاجر بعيداً بعيداً إلى أمكنة وعوالم استوهَمتَ أنها عالمك الأكبر.
لأجل هذا السبب تحولت الشرائع الدينية في يومنا هذا إلى رغبات في العالم الآخر.. في ذلك المكان البعيد.. لأنها مهدت وهيأت الدروب لسالكيها. ولأجل أن تهيأ درباً عليك أن تفترض وجود الله هناك في مكان آخر بعيد حتى تعبر الدرب وصولاً إليه.. وكلما كان أبعد كلما كان أفضل حتى تتمكن من صنع الدرب الطويل لتمشي وتبدأ رحلتك عليه... هذه الدروب هي ما نسميها بالسنية والشيعية والكاثوليكية والبروتستانتية والبوذية والهندوسية واليهودية... ويبدو الله بعيداً جداً لمعظم سالكي الدرب وتبدو رحلتهم وكأن لا نهاية لها.. وعلى ممر هذه الرحلة الطويل يتولى رجل الدين زمام الأمور ويحتل الرحالة المهاجرين داخل صحراء القلوب.. حاملاً في يده كأس ماء عنه يبحثون.. لكنه كأس فارغ هيأ عطش الرحالة لهم أنه بالماء مملوء.
رواية جميلة تقول بأن يسوع المسيح قد عاد إلى الأرض من جديد بعد غياب ألفي عام ليرى كيف تسير على الأرض الأمور. وكان يظن أن الأمور جميلة تسير على خير ما يرام فقد تم إخباره بأن نصف العالم يعتنق المسيحية تقريباً. عاد وظهر حيث كان أيام رسالته.. فالتفت الناس حوله وبدؤوا بالضحك وإلقاء النكات.. فشعر بالإحراج قليلاً لحالهم المائل فما هو الأمر ولماذا يتصرفون هكذا.. على ماذا يضحكون.. فسألهم وأخبروه بأنه يبدو كيسوع المسيح وأنه كاد يقنعهم بأنه هو.. فقال لهم ولكنني المسيح.. فازدادت ضحكاتهم وعلَت سخريتهم وأخبروه بأنك أياً مَن كنت فإما أنك منافق أو أنك مجنون.. عليك أن تهم.. بالفرار من هنا فإن أتى الكاهن ورآك فسوف يحدث ما لا تحمَد عقباه. وكان اليوم هو يوم الأحد وكانت الناس خارجة من الكنيسة ويسوع واقف تحت شجرة في انتظار الكاهن.. فإن كانت الناس العادية المغيبة الغافلة لم تعرفه في ليل غفوتها ونومها.. فلابد للكاهن الذي يتحدث بإسم يسوع أن يعرفه في فجر صحوته الذي يرسل من خلاله ندى كلماته.
وأتى الكاهن.. وكان غضبه شديد لدرجة أنه أعاد ليسوع ذكرى غضب الأحبار اليهود الذين هموا بصلبه منذ ألفي عام مضَت. وأخبر الكاهن الناس بأن يدخلوا يسوع إلى الكنيسة إذ أنه يبدو رجلاً خطيراً أم أنه منافق يدعي أنه يسوع. لم يصدق يسوع ما رآه... "الكاهن الذي يتحدث بإسمي ليل نهار.. لقد كان يخطب ويعِظ ويستخدم كلماتي قبل دقائق معدودات".
ولكنه ذات المشهد الدرامي يعيد تجسيد نفسه من جديد على مسرح الحياة. وخالجَ يسوع شعور بأنه سيكون على موعد مع الصلب من جديد. لكن الكاهن أخذه داخل غرفة صغيرة ويسوع يسأل نفسه، أي مسيحية يعتنقها هؤلاء.. "فإن لم يتمكنوا من التعرف علي فعلى من سوف يتعرفون.." هؤلاء هم من يدعون أنهم في انتظاره.. ويصلون له لأجل أن يعود من جديد.. وها هو الآن هنا.
وفي وسط الليل دخل الكاهن على يسوع في الغرفة الصغيرة وفي يده مصباح. اقترب الكاهن من يسوع ولمس قدميه وانحنى أمامه قائلاً: "لقد تعرفت عليك.. لقد عرفت أنك يسوع... لكن ليس باستطاعتي التعرف عليك وسط عامة الشعب.. بين الحشود. لسنا بحاجتك الآن.. فنحن نقوم بعملنا على أكمل وجه. في الواقع أنت عائق كبير في وجهنا.. لن تسير الأمور في حضورك كما كانت تسير كاملة متكاملة في غيابك تصب في مصلحتنا. لم يكن هناك من داعي لأن تعود من جديد.. عودتك لا معنى لها فنحن نهتم بأعمالك عنك هنا. وبعد أن استقر كل شيء تريد المجيء وإفساد كل ما بنيناه علينا.. أعلم أنك سوف تفسد الأمور وتقلبها رأساً على عقب وتدمِّر كل ما فعلناه على مر ألفي عام.. وقد كان عملنا متعباً شاقاً. عقول الناس وقلوبهم أصبحت اليوم في أيدينا.. فلا حاجة لك أن تأتي وتفسد كل هذا علينا. أنت مخَرب قديم وتاريخك يشهد كيف أنك تقول الحقيقة عارية كما هي.. أنت تتفوه بأشياء خطيرة وتهدم جميع ما بنيناه.
نعم أنا أعرفك وقد تعرفت عليك في ظلمة الليل هذه.. لكني لن أتعرف عليك ولن أعرفك في وضح النهار بين الحشود.. لذا فمن الأفضل لك الرحيل وإلا سيتحتم علي صلبك من جديد".
إن حضور يسوع المسيح هو خطر على الكاهن.. فما حاجة الناس للكاهن في حضور يسوع.. الحقيقة تتنفس وتمشي بينهم فما حاجة من يطلق على نفسه لقب الوسيط
عندما يقف يسوع بجانبك فلن تكون عندها بحاجة أي همزة وصل أو جسر بينك وبين الله.. إذ على الله أن يكون بعيداً جداً حتى يكون للجسر معنى. إن كنت في حضرة الله هنا فما فائدة الجسر.. لماذا ستذهب إلى هناك..
جميع الجسور والشرائع والدروب تم خلقها بواسطة الكهنة ورجال الدين فاحذروها. والحكماء لا يمنحوا ولا يقدموا الدروب... نعم تحدث بعضهم وأشار لما قد يشبه الدرب لكن حديثهم هذا كان موجهاً لمن يحيطون بهم.. لمن يحيون في أقل وأدنى درجات الوعي.. وكانوا يعلمون أن لو استمر هؤلاء على هذه المستويات فلا خلاص لهم لأن الدروب لن تؤدي بهم إلى أي مكان.. لذا قال الرسول محمد للإمام علي:" الشريعة لقساة القلب يا علي"... إنها لمن يحيا أدنى مستويات الوعي. لا يود الحكماء تقديم أي دروب. فوجودهم وحضرتهم كان كفيل بأن يمنحوك فَهماً بأن لا حاجة لك للذهاب إلى أي مكان... فإن لم تفهم من الحضرة فمن الكلمة سوف تفهم
لتهدأ رغباتك فقط.. ولتخمد أحلامك فقط وتذهب إلى النوم لتتفكر وتتذكر بعد أن تكتشف وتفقه أن الدنيا متاع ولهو ليس أكثر.. وسوف تعلم حقيقة الوجود.. من هو الله. سوف تلاقي الله. فالله ليس في مكان ما خارجك.. الله هو الجوهر الذي يتكون منه داخلك‘ فإلى أين تنوي الذهاب.. وأي دربٍ تحتاج.. لا... لست بحاجة لأي درب.. فكل الدروب ضالة.
ولا زال العقل يحاول أن يسلك درباً فكرياً تحليلياً...
أولاً لا يوجد أي درب.
ثانياً.. إن معرفة حقيقة الله عبر أحد أجزائك كالرأس مثلاً هو أمر مستحيل.. إذ ليس باستطاعتك معرفته سوى بكليتك.. بكاملك. لا يوجد ما يسمى بالدرب الفكري العقلاني ولا الدرب العاطفي الوجداني. لا الرأس ولا القلب. عليك أن تأتي وتتوجه لله ككيان خالص بكل ما تحويه.. فكرك وعواطفك.. منطقك وإحساسك.. دمائك وعظامك.. وشجاعتك... كلك...
لكن لابد للدروب وأن تكون جزئية ولا توجد دروب كلية.
في الهند توجد دروب عقلية يختص بها علم المعرفة اليوغية.. وهناك دروب عاطفية محورها الإخلاص. وهناك دروب الفعل من خلال علم يوغا آخر.
للإنسان ثلاثة طبقات داخل كيانه: المعرفة والإحساس والفعل. وقد بزغَت الدروب التي ذكرتها بسبب هذه المستويات الثلاثة. الفكر يعلم لكنه لا يشعر ولا يعمل.. والعاطفة تشعر لكنها لا تعلم ولا تعمل.. والفعل يعمل لكنه لا يعلم ولا يشعر. الإنسان هو هذه الثلاثية.. هذا المثلث. يجب أن تكون هذه الثلاثية جميعها موحدة في وحدة كاملة متكاملة.. عندها فقط سوف يعرف الإنسان الله.
لم يكتفي الإنسان بتقسيم نفسه فقط.. بل جزءَ الله أيضاً كما في الميثولوجيا الهندية (تريمورتي) أو وجوه الله الثلاثة. لكن الحقيقة تقول أن الله لا وجه له بالمعنى الذي يفهمه العقل عن الوجه.. الله لا شكل له حتى. الله ليس ثلاثة بل واحد.. وحتى كلمة واحد هي تعبير موجه للعقل ولا علاقة لها بالحقيقة كما هي.. لأن الواحد مجدداً يخلق فكرة الثاني والثاني يخلق فكرة الثالث ونستمر إلى ما لا نهاية. الله هو الكلية لا داعي لذكر أي رقم وأعداد... وحين يكون الإنسان موحد وكلي حينها سيكون في قلب الله لأن الكل يعرف الكل... وتذكر أنك لن تلاقي الله وجهاً لوجه أو تراه وجهاً لوجه كما يفهم الفكر أو أنك ستأتي لمرحلة تقول هذا هو الله.. لأنك حين تعرف الله لن تكون موجوداً.. ستختفي وتفنى فيه وتعلم أن لا وجود إلا له هو. فالله ليس في مكان ما خارجك.. الله هو الجوهر الذي يتكون منه داخلك.. فإلى أين تنوي الذهاب.. وأي.. دربٍ تحتاج..